مدونة الهوامش المنسية : رصد و حوارات و تساؤلات...من أجل تكريس الحرية و الكرامة و ثقافة الاختلاف لقد تم تغيير اسم المدونة ليصبح " الهوامش المنسية " و سيتم تخصيص صفحة للابداع الشعري تحت اسم " هوس الكلمات ".... كما تمت اضافة مقالات جديدة في ساحة الحوار ...... ..... حركة 20 فبراير : دعوة متجددة للاحتجاج الاجتماعي السلمي ..... ممتن و شاكر لزيارتكم .... للتفاعل و التواصل k.isskela@gmail.com

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل

دورات تكوينية لتأهيل الشعب


دورات تكوينية لتأهيل الشعب


كريم اسكلا

إعلان:
تعلن مؤسسات المجتمع غيرالمدني عن تنظيم مجموعة من الورشات التكوينية لتأهيل المواطن المغربي:
1.     ورشات التجسس والاستخبار
للاستفادة من هذا التكوين، يجب على المترشح أن يتصف بحس اجتماعي عال، ويستحسن أن يكون صاحب حرفة أو مهنة يختلط  فيها مع ناس كثر. ويستفيد الفرد خلال هذا التكوين من أرضية نظرية حول تاريخ التجسس وتطور طرقه وأساليبه...ثم مبادئ تقنيات التواصل وطرح الأسئلة وأساليب الحصول على الأخبار والمعلومات  بما فيها " طريقة  تسيبي ليفني " لطرق وفنون مضاجعة العملاء. حيث سينفتح المشارك على نماذج دولية جد متقدمة في هذا المجال، إضافة إلى تأهيل لاستعمال التكنولوجيا الحديثة لاتصال والتواصل في العمل.  بحيث يكون المتخرج من هذه الورشة قد خبر كل طرق الجاسوسية ورصد وقنص كل صغيرة وكبيرة عن النشطاء والمناضلين من منامهم إلى منامهم.
2.     ورشات الحملات الاعلامية
يفتح باب المشاركة في هذه الورشات أمام كل صاحب قلم وورق أو شاشة حاسوب أو بوق ... يكفي أن يمتلك ألفبائية الكلام والخطاب...فالمهم هو أن يكون قادرا على القول والكتابة تحث الطلب...ويكون التمرين الأول في الإنشاء بكتابة نصوص تتهم المعارضة بالعمالة لاسبانيا أو فرنسا أو البوليزاريو...وأخرى تتهمهم بالإلحاد أو الكفر أو الشذوذ الجنسي ...التمرين الثاني في فنون الاشاعة والتشهير، والتمرين الثالث في إعداد  صور بالفوتوشوب ورسومات كاريكاتورية لتشويه سمعتهم...التمرين الرابع في إعداد أشرطة فيديو وعمل مونتاج يجمع ما تم رصده من هفواتهم، كصورهم مع أصدقائهم  وصديقاتهم، أو صورهم في لحظات حميمية، وهم يدخنون أو يشربون الخمر، أو وهم برفقة أجانب، أو في وضعيات قد تحرف عن سياقاتها ... وذلك بالاعتماد على ما حصل عليه المخبرون.
3.     معسكر العنف الجسدي واللفظي والاستفزازات
لا يشترط المؤهل العلمي للاستفادة من هذا التكوين، فالأساس هو اكتناز كثلة من العظام والعضلات ...وضمير مستثير، ويضمن برنامج التكوين في هذا المعسر تكوينا احترافيا في طرق إستعمال الأسلحة الخفيفة والمتوسطة من سكاكين وشفرات حلاقة وسلاسل وحبال وسواطير وشواقر ...إضافة إلى التمكين من معجم مكثف ومتنوع من أساليب السب والشتم والقذف. وبعد إختبارت وتدريب خفيف في الغيطة والطعريجة... وترديد  بعض الأغاني التشجيعية على طريقة مشجعي الملاعب ( ديما ديما...، دينها دينها والله ما خلينها، أوهوهو ألللي ااالي ...).
تكوينات هذه المعسكر غالبا ما تكون ميدانية تطبيقية، ويتم ذلك بالتحرش بالمتظاهرين والوقفات والمسيرات الاحتجاجية ... ويجب على المشارك في المعسكر حمل صورة الملك والكثير من الأعلام، والمهمة هي استفزاز المنظمين والاعتداء على بعض المشاركين خاصة الفتيات والنساء...وسرقة بعض الكاميرات والهواتف واللافتات ...كغنائم.
بمجرد الاستفادة من هذه الدورات التكوينية يحصل المشارك على شهادة حسن السيرة والسلوك وشهادة الأهلية للبلطجة، موقعة من أم الوزارات وأبيها.
ملاحظة: تخولك الشواهد المحصل عليها الدخول إلى القيادات والجماعات والباشويات والولايات بدون واسطة. والاستفادة من بعض الإكراميات تبدأ من " بونات الطحين " وولائم الاجتماعات والحفلات الرسمية  إلى مأذونيات النقل والسكن والبناء والقوادة والمتاجرة في المخدرات ... كل حسب كفاءته.  
للمشاركة يرجى الاتصال بأقرب مقدم أو شيخ أو قايد أو باشا بجميع ربوع المملكة.   
تعليق على الإعلان:
لا يحتاج المرء، إذن،  لكثير من النباهة ليكتشف أن المخزنقراطية أعلنت بشكل غير رسمي عن برنامج تكويني مستمر لتأهيل قوى البلطجة. فبعد عهد "الفلاح المدافع عن العرش" ربما قد نعيش بعد ربيع الديموقراطية عهدا من "الشمكار المدافع عن العرش" ... فالعديد من التقارير الإعلامية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك ضلوع أطراف من المخزن في تجيش " شمكارة " للتشويش على حركات الاحتجاج وللخروج في مسيرات لإعلان أن " الملك عاش ". هل أصبح النظام يحتاج لشرعية يكسبها له هؤلاء الشمكارة؟ 
إنه بعض الخفي وراء ما يسمى " الشباب المخزني " أو ما كان يسمى على عهد قريب " حراس المؤسسات الدستورية " في مواجهة قوى التغير والإصلاح ...حيث وجدنا أن مجموعة من الأفراد إنخرطوا في هذا البرنامج التكويني معتقدين أنهم يدافعون بذلك عن النظام، في حين أنهم لا يفعلون شيء سوى تشويه صورته والإساءة له... ونستغرب من عدم متابعتهم بتهمة الإساءة للملك ... مثلا في قولهم " وا الملك زطوروطو " ؟؟ أو عندما تمسك التنفيحة والتبويقة بنفس اليد التي تحمل صورة الملك، أو عندما يحمل صدر عاهرة علم المملكة بعد أن كان قبل قليل يحمل زبد نشوة زبون... أليست إساءة "للمقدسات" ؟ 
استدراك: الاقامة والتغذية والتنقل على نفقة المواطنين البسطاء.    

عصيد: التاريخ أكبر الطابوهات السياسية في المغرب على الاطلاق


عصيد: التاريخ أكبر الطابوهات السياسية في المغرب على الاطلاق وهناك تزوير في التاريخ الرسمي الذي يدرس والشرعية السياسية للعديد من الأشخاص مبنية على التاريخ المزور

قال عصيد من وارزازات ان قبر ادريس الثاني ظل مجهولا ستة قرون واكتشفه المرينيون مما يطرح كثيرا من الأسئلة حول صحة هذه الرواية/


تقرير كريم اسكلا.





كسر الاستاذ  الباحث أحمد عصيد صمت مدينة وارزازات وهدوئها بمحاضرة تحث عنوان العلمانية والديمقراطية يوم 22 دجنبر الجاري، حيث تمكن من خلق نقاش جاد وجريء حول الشرعية الدينية والشرعية الديمقراطية في الدولة الحديثة. 
الموقع حضر اللقاء وأعد تقريرا مفصلا عن أهم ما جاء في مداخلة الأستاذ عصيد والتي وصفت بإحدى الدروس البيداغوجية لعصر النهضة المغربية. فأمام العشرات من الحاضرين، الذين حجوا إلى القصر البلدي بوارزازات، شكر الأستاذ أحمد عصيد أهل مناطق الجنوب الشرقي، وقال أن هذه المنطقة لها تاريخ عريق، وأعطت الكثير من الطاقات والكفاءات المعترف بها دوليا ووطنيا. ولكنها مقصية ومهمشة، وأردف قائلا أن سبب مشاكل هذه المنطقة هو في بناء الدولة المركزية بعد الاستقلال، والتي ركزت كل شيء في مثلث الرباط الدار البيضاء فاس، وتناست مناطق قدمت للوطن الشيء الكثير لكن لم يقدم لها أي شيء.
وتأتي المحاضرة حسب عصيد للإجابة على أسئلة راهنة تأتي في السياق الذي يعيشه المغرب بعد الانتفاضات الشعبية في شمال افريقيا والشرق الاوسط، فالثورات والانتفاضات الشعبية حسب عصيد جاءت بنقاش جديد يتميز بأنه شجاع وفيه الوضوح، إذ لم يعد فيه نفاق  ولف ودوران ولغة الخشب. بمعنى أن لغة الخشب تراجعت لصالح لغة الوضوح بين المواطنين وبين الفرقاء السياسيين سواء داخل المؤسسات أو خارجها. وهذا مكسب كبير يرجع الفضل فيه مغربيا الى حركة الشارع المغربي، حركة 20 فبراير التي حررت المغاربة من الخطوط الحمراء التي كانوا يخافون منها، والتي كانت تمنعهم من النقاش الحر والشفاف. وأضاف أن المغرب لم يستطع بعد رفع كل الخطوط الحمراء، بسبب ما اعتبره طرح وثيقة دستورية ليست بالمستوى المطلوب.
وفي سياق حديثه عن حصيلة ما افرزه الحراك الاحتجاجي بالمغرب أكد أن الدستور الذي لا ينص على فصل السلط ليس دستورا ديمقراطيا، إذ اعتبر أنه لازالت نفس السلطة تترأس السلط الثلاث، ولازالت مقاليد الأمور في يد الشخص الواحد. وقال أن القيم الأمازيغية كالمساواة والحرية والعدالة غائبة عن جوهر الدستور. كما تغيب عنه أسس البناء الديمقراطي السليم. وخلص إلى أنه لا يمكن للدستور الحالي أن يخرج المغرب من أزمته.
وقد أرجع الاستاذ المحاضر سبب الارتكاس في مجال دمقرطة الدولة إلى تدخل الدين في السياسة. وأشار إلى ضغوط مارستها العدالة والتنمية والسلفيين لعدم دسترة حرية المعتقد، وسمو المواثيق الدولية، واعادة صوغ الفصل الذي يحدد هوية الدولة بحيث تصبح اللغة الأمازيغية متأخرة في الصياغة المعدلة، ومنفصلة عن العربية والإسلام بفاصلة متسائلا عن معنى ودلالة تلك الفاصلة. مؤكدا أن الشيء الذي عرقل الدستور الحالي لكي لا يكون ديمقراطيا هو استعمال الدين. باعتبار أن معضلة الدستور الحالي هي أنه يستعمل الدين لعرقلة كل خطوات الدمقرطة باسم الخصوصية وثوابت الأمة.
وقد فصل الاستاذ في مداخلته كيف أن الدين يتم استغلاله في اطار الصراع حول الحكم والثروة والقيم. ففي الصراع حول الحكم أشار إلى إعتماد الدولة العنف والقمع والردع لمواجهة الاحتجاجات باسم الدين والحفاظ على هيبة الدولة. وفي الصراع حول الثروة أشار إلى مشاكل المناطق المنجمية كمثال، واعتبر استغلال الثروات الوطنية بدون احترام القوانين الوطنية والدولية خرقا سافرا للقوانين الدولية التي وقع عليها المغرب. وأضاف أنه لا القوانين الدولية ولا الوطنية تحترم في اميضر ولا في وارزازات ولا في بوتزولت باعتبار أن أول بند في القانون الدولي الخاص باستغلال المناجم يقول أنه لا يجوز لأي دولة استغلال منجم من المناجم على حساب مصالح السكان...وأضاف عصيد أن تلك المناجم التي تعطي خيرات كثير للمغرب ولا تناقش لا في البرلمان ولا في الحكومة وتهب إلى جهات مجهولة ولا نعرف من المستفيذ منها. مؤكدا على أنه في كل بلد من البلدان الديموقراطية تكون ثروات البلاد موضوع نقاش عمومي مفتوح، لكن عندنا مناقشة الثروات الوطنية التي هي ملك لكل المغاربة طابو من الطابوهات الكبرى.  وطالب بأن تكون المناجم مناجم مواطنة. بحيث تستغل الثروات  بطريقة تساهم بها في تنمية المنطقة. وفي ربطه بين هذه القضايا الاجتماعية قال أن العلاقة قائمة وعميقة بين قضية اميضر وانفكو وغيرها من المناطق المهمشة بغياب علمانية الدولة باعتبار أن عمق تلك الازمات هو أن هناك فئات تستغل ثروات البلد دون محاسبة ولا رقيب لأنها محمية باسم الدين.
كما أكد المحاضر أن هناك أيضا صراعا حول القيم، صراع حول المساواة والحرية والعدل. وقال أن لا مساواة إلا في اطار المواطنة الكاملة، وأكد أنه لا يحق لأي أحد أن يكون أحسن من أي أحد اخر بأي مسمى. كما أن لا حرية إلا باحترام حرية الجميع وعدم تفصيلها وفق اهواء أي كان. وقال أنه لا يمكن أن تتحقق قيمة العدل مادام هناك قضاء يحكم وفق التعليمات والمكالمات الهاتفية، وما دام الاعتقال الاحتياطي يتم بطرق غير قانونية و مع استمرار الاعتقال بسبب الرأي.
يقول عصيد أن حل كل هذه المعضلات هو الديموقراطية، والديموقراطية بالنسبة له شاملة و كل لا يقبل التجزيء. وهي في جوهرها علمانية. ويسأل عصيد:ما معنى العلمانية فكريا وفلسفيا؟ ليؤكد بالقول أنه قبل أن تكون العلمانية فصلا للدين عن الدولة، هي استقلال العقل البشري بقدرته على التحليل والبحث بحرية، وقدرته على الاختيار، من هنا فحرية المعتقد أساس العلمانية. ويشرح الأمر أكثر، فإذا أردت أن تفرض دينك على الناس ستكون قمعيا قهريا، لان العقيدة لا تفرض. لا يمكن فرض عقيدة لأنها اقتناع باطني يأتي من الباطن، تأتي بالاختيار. وهي استقلال العقل، عندئذ تكون مواطن يمارس طقوسه والدولة يجب أن تحميك. لا شأن للدولة بعقيدتك، الدين لا يجب أن تفرضه الدولة والبوليس. فالدين اختيار شخصي.
وأكد المحاضر على أن الاساس الكبير في العلمانية هو احترام الحق في الاختلاف واحترام الاخر وقبوله كما هو. وقال أنه إذا أجبرت الاخر على أن يكون مثلك فلم يعد حرا.  فإذا كان هناك مغاربة غيروا عقيدة واختاروا عقيدة أخرى، فيجب على الدولة أن تحترمهم. لكن الدولة مع الآسف، كما يضيف عصيد، لا تحترمهم ولا تحميهم. والبوليس يراقبهم. والإسلاميون يخرجون ببيانات تشكر البوليس والداخلية على ما يعتبرونه حسن القيام بمهامها في حراسة الايمان.
ليؤكد على أن استعمال الدين في السياسة هو الذي يؤدي وسيؤدي إلى الفتن. أمام مسعى تنميط الانسان وفق قوالب لا يرتضيه.
فحسب عصيد، الاساس السياسي للعلمانية والديمقراطية هو حياد المؤسسات، إذ أن مؤسسات الدولة يجب أن تكون محايدة في الدين واللغة والجنس والعرق. مستدلا بأن العلمانية ليست غربية المنشأ، وقال أن المجتمعات الامازيغية مثلا كانت علمانية في جوهرها، باعتبار أن القبائل كانت تسير نفسها بقرارات الجماعة والأعراف بعيدا عن المؤسسة الدينية التي يمثلها إمام وخطيب المسجد حينئذ.
كما دعى عصيد المغاربة إلى أبداع علمانيتهم، فكما لفرنسا علمانيتها ولبلجيكا علمانيتها...فعلى المغاربة أين يصوغوا علمانية تنطلق منهم ولأجلهم.
وفي اشارته إلى التناقضات التي يخلقها الاستغلال السياسي للدين قال أنه مع العدالة والتنمية أصبحت الأموال المستخلصة من الخمر حلالا، وأضاف أنه لا يمكن للدولة منع الخمر لأن هناك الالاف العاملين في هذا القطاع، واذا منعته فيجب أن يوفر لهؤلاء مناصب شغل، وأن يأتي  ببدائل للميزانية بمقدار تلك الأموال التي كانت تجنيها من ضرائب الخمر، ثم أن تقدم للذين يشربون البديل، لان شرب الخمر يدخل ضمن نمط الحياة المتعلق بالحريات الفردية والمتعلق بحرية الاختيار.
يستغرب عصيد كيف أن الدولة سنت قوانين لا تقدر عليها. الدستور ينص على شيء والقانون الجنائي.  وقال أن مثل هذه التناقضات ستحل بالعلمانية لأن سبب تلك التناقضات هو استغلال الدين في السياسة.
وجه عصيد نقدا لاذعا للمثقف وقال أن دور المثقف دور نقدي أينما كان. دوره هو الكشف والفضح. وقال أن بعض المثقفين أصبحوا موظفين لدى السياسي مجرد "كتاتبية" لدى الحزبيين.
في سياق حديثه عن الاستغلال السياسي للدين، أشار إلى أنه في إطار تزوير التاريخ كانت الحركة الوطنية تشهر راية ما تسميه الظهير البربري، وتقول أن الظهير يهدف إلى تنصير البربر. ويتساءل في النهاية من تنصر؟ من تنصر واشتهر في العالم هم أفراد من عائلة  الحركة الوطنية.  وقال أن البعثات التبشيرية كانت في المغرب منذ 1858 ، ولم يتحدث عنها أي أحد إلى غاية 1930. لماذا لم تتحدث الحركة المسماة وطنية عن التبشير المسيحي إلى غاية هذا التاريخ؟ السبب حسب عصيد هو ذهاب الماريشال ليوطي الحليف للبرجوازية المدينية. حيث كان يعطيهم الامتيازات باعتبارهم كانوا يمارسون الوساطة بين الرأسمال الاستعماري والسوق المحلية، وعندما لم يصبحوا يستفيدون لأن الاستعمار غير سياسته واصبح يستغل البلد مباشرة بدون وسطاء. عندما أصبحت الحركة الوطنية لا تستفيد، أصبحوا وطنيين فجأة. يعني أن الوطنية بدأت عندهم سنة 1930.
وفي رد الاستاذ عصيد على سؤال الموقع عن الضجة التي أثارتها تصريحاته حول نسب العائلات الحاكمة بالمغرب منذ عهد الادارسة، واشارته إلى أن إدريس الثاني ولد أشهرا بعد وفاة ادريس الأول الذي ظل بدون أبناء لمدة خمس سنوات. وكان رده صارما ومتحديا، إذ أكد أن هناك تزوير في التاريخ الرسمي الذي يدرس في المدارس. فالتاريخ كما صرح عصيد هو أكبر الطابوهات السياسية في المغرب على الأطلاق. لأن الشرعية السياسية للعديد من الأشخاص مبنية على التاريخ المزور. ولأن فئة معينة من الناس مستفيدون من الفيرمات والأراضي والامتيازات والإدارات بسبب تلك الرواية التاريخية المزورة. وطالب منتقديه بتأكيد رواياتهم التاريخية بشكل عقلاني. وقال أنا أريد من هؤلاء الذي كانوا يروونا علينا حكاية الأطفال المبتذلة بأنه جاء ادريس الأول وعانقه المغاربة، وولوه ملكا على المغرب، وأن أول دولة في المغرب هي الدولة الادريسية وهي دولة عربية...هي حكاية للأطفال غير صحيحة و قال أنها ( رواية A dormir debout). ويردف أن ادريس جاء وعمره 42 سنة، ويتساءل هل جاء متزوجا أم أعزبا ؟ هل كان لديه أبناء؟ والإشكال الثاني الذي يطرحه على المؤرخين هو هو أن الرواية تقول أن المغاربة بايعوه ملكا، والنصوص تقول أنه بويع إماما. والسؤال هو لماذا لم ينزل في مصر أو تونس أو الجزائر؟ لأن مصر وتونس كانت دول سنية، والجزائر كان فيها خوارج.  وجاء إلى المغرب لأن التجمع الذي استقبله كان شيعيا. وإذا بويع ادريس وزوج بكنزة الأوربية...يعني أنه ظل معها خمس سنوات دون أولاد، ولم يولد ادريس الثاني سوى بعد وفات ادريس الأول بأشهر؟ والسؤال الاخر الذي يطرحه هو لماذا قام بمذبحة قتل فيها كل نسب والديه، كيف يقتل ادريس الثاني جده اسحاق وكل نخبة ادريس الأول، وخلق نخبة عربية أخرى من نخبة الاندلس؟ هذه أسئلة طرحها عصيد متحديا المؤرخين بإنارة هذه الفترة التاريخية في التاريخ الرسمي.
وخلص عصيد إلى أن الشعب المغربي لا تمثله عائلة أو نسب أو شجرة، الشعب المغربي يريد دولة تمثل كل المغاربة.
ويضيف أن قبر ادريس الثاني ظل مجهولا ستة قرون، ويتساءل كيف أكتشف في العصر المريني. والمؤرخ يقول أن سيدا نام فرأى رؤيا تقول أن ادريس الثاني دفن تحث الشجرة فاقاموا عليه قبرا. ويتساءل ما إذا كان مثل هذا القول تاريخ. ويستغرب عصيد من أن الآن يذهب السلاطين إلى هذا القبر ليستمدوا الشرعية منه. ويقول أي شرعية هذه ؟ الشرعية هي اختيار الشعب والديمقراطية وليس شرعية الشجرات الوهمية.
ويقول أيضا، لا شرعية لمن يستعمل الدين سواء كان الملكية أو غيرها. فحسبه الملكية المغربية إذا أرادت أن تكون شرعية عليها أن تتعلمن.
ويربط المحاضر بين مشاكل غياب التقسيم العادل للثروات وغياب العلمانية بقوله من يعطي الحق لجهات عليا في الدولة لتستغل ثروات البلاد بدون احترام الحكومة ولا البرلمان ولا القانون. من أين تستمد الشرعية؟ تستمدها من إمارة المؤمنين، يعني من الدين. أنا أنهب ثروتك ولا تحاسبني لأني استمد الشرعية من الدين. ولأن هذا غير ديمقراطي ننادي بالعلمانية. كما يقول الاستاذ أحمد عصيد.
ويموضع عصيد تصوره في سياق ما يعتبره نقدا لجذور السلطة القمعية وغير الديمقراطية، حيث أنه يعتبر أن الانتقال إلى الديمقراطية يستوجب تفكيك الطابوهات لأنها ترسخ الاستبداد.  

غوغل تصفع الاحتقلال المغربي....؟

مغاربة غاضبون من "غوغل" لأنها استعانت بالوسائد والمخدات احتفالا بعيد استقلالهم



 عبر مجموعة من الشباب الفايسبوكيين عن استغرابهم من ترميز شركة غوغل لاحتفال المغرب بعيد استقلاله بصورة عبارة عن "مخدات " تقليدية، ولقيت الصورة موجة من التعليقات الساخرة والمنتقدة. 

    فقد وضعت شركة غوغل صورة رسم الشعار المبتكر الذي تقدمه بمناسبة ذكرى الاعلان الرسمي عن استقلال المغرب مجموعة من الوسائد الجلدية المغربية التقليدية التي تشكل حروف شعارها، ويظهر العلم المغربي على إحدى هذه الوسائد. 

    فبراير.كوم"  تنقل لكم تعليقات وأراء مجموعة من الشباب النشيطين في الشبكات الاجتماعية". 


    مصطفى بن مومن إعتبر ذلك الشعار إهانة كبرى للمقاومة المغربية، متسائلا ما علاقة المخدات " بإستقلال" المغرب؟ مضيفا أنه كان الأحرى بادارة غوغل أن تضع صورا لرموز المقاومة، مؤكدا على المقاومين الحقيقيين الذين تتناساهم كتب التاريخ الرسمي. 

    عبد الله السدراتي علق على الصورة قائلا: "هناك أكثر من قاسم مشترك بين المخدات والوسائد واستقلال المغرب، أهمها حب المقعد وعشق الكراسي الذي يدفع البعض إلى حد الحمق والجنون " 


    أزاهيم دريس يرى أنها تعبر بصدق عن الثقافة الراسخة في عقلية الانسان المغربي، ببساطة هي ثقافة النوم وما ادراك، عقلية الوسادة والسرير حسب قوله. 


    ومن التعليقات القوية قول أحدهم، "غوغل تصفع الاحتقلال المغربي....كأنها تقول للمغاربة أنتم لا تتقنون سوى الجلوس والإتكاء والنوم" 


    في السياق ذاته يقول سعيد الكرتاح:" أعتقد أن جوجل لا تهتم بعيد الإستقلال، وانهم يعتقدون أنه رغم الاستقلال لا زال الاستعمار الثقافي والسياسي حاضرين في المغرب " 


    في الوقت الذي يرى البعض أن لا إشكال في الصورة ما دمنا في زمن العولمة كما علق سعيد بابا. وأكد اخرون أن الشركة تبحث في شعاراتها عن رموز تتناسب مع حروف اسمها لإبراز الأحداث كوسيلة لتسويق صورتها لا أقل ولا أكثر على حد تعبير هشام الإدريسي. هذا وقد فسر حسن يحيى الصورة بقوله " بعد سنوات الظلم والحروب...بإمكان المغاربة أخذ قسط من الراحة بعد الاستقلال " 

كفايات الوفا أونهاية علوم التربية



كريم اسكلا
k.isskela@gmail.com
"نتي آش كاديري هنا، راه أنت خاصك غير الراجل" تلك كانت الجملة التي جاءت على لسان وزير التربية والتعليم، محمد الوفا مخاطبا تلميذة لا يتجاوز عمرها 12 سنة، عندما كان في زيارة لإحدى المؤسسات التعليمية بمراكش. وذلك حسب ما نقلت العديد من وسائل الاعلام.
كان من الممكن أن يمر ذلك الحدث "الجلل" بشربة ماء  لو كان بطله أي شخص غير المسؤول الأول عن التربية والتعليم، أو أي شخص لا علاقة له بأبسط مبادئ علم النفس ومبادئ التربية والقيم وأخلاق الكلام والخطاب...كان من الممكن أن يكون الأمر بسيطا لو حدث في زمن غير الزمان ومكان غير المكان... لكن والأمر غير ذلك، فيتطلب منا وقفة ووقوفا يليق بمقام وجلل قدر بطله.
ما يجعل الحدث جللا هو أنه صدر من "رجل" يفترض أنه مؤتمن على قطاع هام ومهم هو قطاع التربية. فهو حدث يعلن نهاية نظريات علم النفس التربوي ونهاية البيداغوجيا بل نهاية علوم التربية كلها ونهاية القيم...فالجملة التي نطق بها السيد الوزير بوعي أو بغير وعي قد تعتبر جريمة ( أو جرائم) بكل المقاييس – ولنا أن نستوضح الأمر من رجال القانون - .

أولا- تحريض صريح على الهدر المدرسي، "أنت آش كاديري هنا " يعني – ماذا تفعلين هنا – فالوزير هنا يريد أن يقول لهذه الطفلة أن مكانها ليس القسم بل الشارع أو أي مكان اخر. فبالموازاة مع ما تعلنه الدولة رسميا من سياسات وبرامج وميزانيات لمحاربة الهذر المدرسي وتمدرس الفتاة...هاهو المسؤول الأول عن القطاع وعن تلك المخططات ينسف كل ذلك بصريخ العبارة، وهذا يتطلب متابعة أيضا بتهمة تبديد المال العام، إذ كيف تصرف كل تلك الملايين بداعي تشجيع تمدرس الفتاة تم يأتي الوزير لينصح الفتيات بمغادرة مقاعد الدراسة "والبحث عن الزوج" ؟ وهذا يعتبر أيضا تشجيعا وشرعنة لزواج القاصرين الذي يعتبر جريمة في كل المجتمعات المتحضرة !! 
ثانيا- تحريض صريح على الفساد، " راه أنت خاصك غير الراجل" فحسب منطوق الوزير المفروض في هذه الطفلة أن تبحث عن "راجل" وليس عن العلم...فكيف ستحصل هذه الطفلة على "رجل" ؟ هل ستبحث عنه ؟ وكيف ؟ اذا لابد أن تستعرض "مؤهلاتها" التي لن تكون بطبيعة الحال أكاديمية ... بما أن الوزير نصحها بترك المدرسة، ولنا أن نتخيل نفسية هذه الطفلة بعد هذا الحادث، وما سيتشكل بمخيالها حول معنى هذا "الرجل" الذي ينقصها ويجب أن تبحث عنه.
ثالثا- تحرش جنسي مبطن، وكأن الوزير يستعرض "رجولته" على التلاميذ. بما أنه "الرجل" الذي يستطيع أن يفعل ويقول أي شيء دون أن يحاسبه أي أحد. فأن تقول لفتاة  "تحتاجين إلى رجل" يستبطن أنك تعرض عليها " خدماتك ".
رابعا- ممارسة عنف عاطفي نفسي لفظي (إهانة وشتم وسخرية وإذلال وإزدراء...) وما قد يترتب عن ذلك من مشاكل نفسية ناتجة عن التجريح، كتبخيس النفس والميل لإلقاء اللوم على الذات والإحساس بالنقص والدونية، وممارسة سلوكيات هدامة تجاه النفس والآخرين، والخجل المتكرر واكتساب العجز والسلوك السلبي المفرط والانطواء والاكتئاب ...
خامسا- ممارسة التمييز السلبي المبني على النوع وشكل الجسد...فمن جهة بنى الوزير قوله انطلاقا من تصوره حول المرآة كجسد وأداة جنسية لا تصلح سوى للجنس، تم ماذا كان يدور بخلد السيد الوزير وجعله ينبس بتلك العبارة ؟؟ ماذا لو كان مدرسا لهذه الفتاة وأمثالها ؟
ومن جهة أخرى بنى قوله، أيضا، إنطلاقا من تمثله حول التلميذ المغربي الذي يفترض فيه - حسب سيادته -  أن يتصف بالهزال والضمور، ولنا في شريط حواره مع مجموعة من المفتشين والمدرسين بوجدة (المدير وصاحبتو) خير دليل، حينما تحدت معاليه عن الجوع و"الهيمري" كما عايش في الهند، وكأنه يريد  أن يقول أنه ما دام حالنا لم يصل بعد إلى حالة الفقر في شوارع وأزقة بومباي فعلينا أن نقول "العام زين"، لذا نصح مخاطبته باحتجاز المتعلمين داخل قاعات الدرس دون الاكتراث بمعاناتهم.    
سادسا- اكساب الأطفال عادات سيئة، حيث أن مجموعة من التلاميذ شاهدوا الحادث...والأكيد أن منهم من سيحاول تقليد الوزير"القدوة" بأن يستفز زميلاته في الدراسة بخطابات مستلهمة من السيد الوزير، من قبيل "التلميذ وصاحبتو" أو " نتي خاصك الراجل". فأطفالنا سيجدون النموذج الناجح في المجتمع اليوم هو الشعوبي المهرج، فلا يحتاج المرء ليتسلق ويصبح من " قشدة المجتمع" لا دبلومات ولا كفايات ولا لغات ولا أي مؤهلات ...إذ يكفيه تملك مهارات التملق وتقبيل الأيادي ورصيد في التنكيت و التمكن من التواصل باللغة السوقية.
يبدو أن الاصلاح الذي يقترحه الوزير ينبني على البحث عن مخارج جديدة لمنظومة التربية والتعليم بالمغرب غير المخرجات المتعارف عليها لدى جل الأمم، ولربما التوجيه نحو مهن ستحدث لها مسالك بالمؤسسات التعليمية كمسلك ماسحي الاحذية والنشالين والمتسولين والمهرجين... ولمعاليه البحث عن منظرين لصياغة البرامج والمناهج المناسبة غير هؤلاء "الخبراء الذين يخطبون عليه خطبهم". ولحل مشكل الاكتظاظ ونقص المدارس والمدرسين ربما يسن سنة تشجيع الزواج المبكر...ليكون مكان الأطفال الأصغر  سنا هو أحضان أمهاتهم... ومكان القاصرين هو بيت الزوجية ...وزير التعليم العالي سيتكفل بتحويل الجامعات إلى مخافر وثكنات عسكرية...وتفرخ "وزارة التشغيل" المزيد من المواخير والمراقص والبورديلات لتشغيل أفواج المتخرجين من "مدارس الوفا". وهكذا سنبني بلدا "ماعند أوباما باباه بحالو" – يعني لم يصل خيال الكوميديا السوداء الهوليودية إلى تخيله -، إنه فيلم رعب لمصاصي دماء يكشرون عن أنياب تريد أن تمتص ما تبقى في الشعب من حياة. 
هذا رأينا ...ولمعاليكم واسع النظر.

أسس الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية


أسس الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية
محاولة في فهم طبيعة وأسباب ثورات الأمم
كريم إسكلا
إن الحراك الاحتجاجي الثوري الذي تعيشه العديد من المجتمعات المغاربية والمشرقية، والذي أججته الثورة التونسية، ما هو إلا تعبير عن إرادة إعادة صوغ العلاقات المجتمعية على أسس ومبادئ جديدة، فهو بالتالي إسقاط عملي للشرعية عن البنيات والعلاقات القائمة. في هذا المقال نحاول فهم وتفهم طبيعة ومسببات هذه الثورات، إذ نذهب إلى درجة تبني التأريخ للمجتمعات إلى مجتمعات ما قبل وما بعد الثورة في تونس، ليس فقط نظرا للثأثيرات التي أحدثتها ويمكن أن تحدثها في المجتمعات العربية والاسلامية، وإنما أيضا في مختلف دول العالم، وكذا على مستوى النظريات السياسية والفلسفية حول السلطة والدمقراطية والمشاركة السياسية والشرعية. فبعد سلسلة التهاوي المتسارع لمجموعة من الأنظمة السياسية العربية، وفي ظل تصاعد موجات الحراك الثوري الاحتجاجي ضد حكام آخرين، للمرء أن يتساءل عن السبل والوسائل التي انتهجها هؤلاء الحكام للوصول إلى الهيمنـة على شعوبهم كل هذا الزمن؟ وكيف ولماذا سقطت أنظمتهم فجأة بهذه السرعة وبهذه الطريقة؟ كيف يتم بناء وتهديم شرعية نظام حكم سياسي؟ وبتعبير آخر، بما أنه لا يمكن لشخص أو لفئة أن تبسط هيمنتها إلا بتواطؤ من الفئة المهيمن عليها، فكيف انتزعت الأنظمة الحاكمة في الدول المغاربية والمشرقية شرعيتها؟ وما هي العوامل التي أدت بالشعوب إلى الثورة عليهم وإسقاط الشرعية عنهم؟ أشخاص وعائلات هتفت بأسمائهم حشود من الناس لعقود، كيف تنهار أنظمتهم في ظرف شهر أو شهرين؟ ... لا يمكننا بالمطلق التوصل إلى أجوبة مقنعة لكل تلك التساؤلات، وهذا المبتغى لا نرجوه أصلا، إذ يكفينا أن نستفز في الفكر بعض التساؤل والقلق.
لعبة الهيمنة وبناء الشرعية

يقول بيير بورديو في حوار أجرته معه مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 37، دجنبر 1985: «إن السلطة ليست شيئا متموضعا في مكان ما، وإنما هي عبارة عن نظام من العلاقات المتشابكة، ونجد أن كل بنية العالم الاجتماعي، ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، من أجل فهم آليات الهيمنة والسيطرة». إن السلطة إذن، حسب بورديو، بمثابة نظام معقد، يخترق كل العلاقات والترابطات، التي تشتغل داخليا، بواسطة آليات دقيقة وجد فعالة، تتحكم في البنية العامة لذلك النظام. والسلطة كما يحددها بيير بورديو تعتمد أسلوب الإخفاء، وهي لا يمكن أن تحقق تأثيرها المفترض، وتنفيذها بشكل فعال وإيجابي، إلا من خلال الاعتراف من طرف أغلبية الناس المعنيين بها، والذين تبدو لهم هذه الحقيقة وهمية، ولا يعترفون بها. يقول بورديو في كتابه الرمز والسلطة «إن السلطة الرمزية هي سلطة لامرئية، ولا يمكن أن تمارَس، إلا بتواطؤ أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون لها، بل ويمارسونها». بالتالي فلا سلطة ولا هيمنة إلا باعتراف وشرعنة من طرف المهيمن عليه.
هنا يبرز مفهوم الشرعية، وما هي إلا القبول غير القسري (الطوعي) لفئة ما بهيمنة وسلطة فئة أخرى، ونجد أن ماكس فيبر (Max Weberيعد من الرواد في الأخذ بمفهوم الشرعية، حيث حددها بوصفها صفة تنسب لنظام ما من قبل أولئك الخاضعين له، من خلال عدة طرق تتمثل في التقاليد أو بعض المواقف العاطفية، أو عن طريق الاعتقاد العقلاني بقيمة مطلقة، أو بأساليب تعد قانونية أو شرعية مقبولة. هذا يعني أنه يعرّف ثلاثة أنواع من الشرعية: التقليدية، والكاريزمية، والشرعية العقلانية. ويكون الولاء والالتزام في النوعين الأول والثاني إلى شخص (رئيس تقليدي، أو زعيم بطل أو زعيم روحي)، أما في النوع الثالث، فتكون الطاعة والقبول لشبكة المؤسسات المبنية بصورة شرعية التي تحمل الطابع الفردي، والشرعية في الأنواع الثلاثة كلها معرّفة في سياق قبول المجتمع به. ولتتمكن فئة من الهيمنة على مختلف الحقول الاجتماعية، لابد لها من مراكمة جميع الرساميل (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرمزية). كما أن مايكل هدسون مثلا وضع ثلاث قواعد ممكنة لبناء الشرعية، وهي تشكل في الوقت نفسه ثلاثة مصادر للشرعية هي:
- القاعد الشخصية، باعتبار أن المكون الشخصي مكوّن أساسي في السلطات القبلية التقليدية، وفي السياسة المعاصرة أيضا.
- القاعدة الايديولوجية، وتتلخص في مجموعة من المثل والأهداف التي تساعد النظام على فهم الماضي وتفسير الحاضر، واستشراف المستقبل.
- القاعدة البنيوية، أي تلك التي تنبع من المؤسسات، وبقدر ما يكون الحكم متأسساً، يزداد الاعتقاد بشرعية القوانين والنظم.
بشكل مختصر يمكن القول أن الشرعية صفة يجب أن تلازم أي نظام سياسي، من أجل ممارسة الحكم، وهي تقوم على جانبين: الأول شكلي يتمثل في دستورية السلطة، أي بإنشاء جمل من الأنساق القانونية والسياسية والثقافية والعسكرية والأمنية التي ترسخ هيمنة الطبقة المهيمنة وسيادة ثقافتها. والثاني موضوعي، يتمثل في قناعة ورضا أفراد المجتمع بهذه السلطة، وهذه القناعة يتم ترسيخا والعمل على استمرارها عبر الأجهزة الايديولوجية للدولة: الاعلام والمدرسة والمؤسسة الدينية ... نتساءل على هذا المستوى: ما هي الأسس التي تبني عليها الأنظمة العربية والاسلامية (أو المغاربية والشرق أوسطية) شرعيتها السياسية؟
الشرعية في مجتمعات ما قبل الثورة التونسية: 

تشهد المجتمعات المغاربية والمشرقية إحدى أكثر التغييرات السياسية والسسوسيوثقافية أهمية منذ حوالي 200 سنة – أي منذ بداية فترة فرض مطالب الاصلاح من الخارج -، فمنذ الفترة الاستعمارية وما بعد الاستعمار لم تشهد هذه المجتمعات هزات اجتماعية وبنيوية عميقة كالتي تشهدها هذه الأيام، ففي تلك الفترة جاءت مطالب الاصلاح من الدول الاوربية أساسا كذرائع للتغلغل أكثر والمحافظة على الامتيازات والمصالح، باستعمال كل الطرق العسكرية والدبلوماسية المتوفرة لديها، وأمام استمرار الرفض والمقاومة من طرف الشعوب، وبعدما أدركت الدول الاستعمارية استحالة استمرارها في الاستغلال المباشر لتلك الدول، استخدمت سياسة المراوغة، إذ منحت تلك المجتمعات استقلالا صوريا وشكليا، بالتواطؤ مع مجموعة من القوى المحلية. تلك القوى المحلية التي تسلمت مشعل بناء ما سمي دول ما بعد الاستقلال استمدت جزاءا من شرعيتها من هيمنتها على كتابة تاريخ مقاومة المستعمر، ومحاربة العدو، وتحقيق انتصارات وهمية (كحرب أكتوبر وتحرير سينا في مصر مع السادات وعبد الناصر ومبارك، أو توحيد البلاد ومواجهة الانفصاليين في اليمن مع عبد الله صالح، أو حماية البلاد من الارهاب وتحقيق السلم في الجزائر مع بوتفليقة، أو معاداة أمريكا وإسرائيل والنهر العظيم ... في ليبيا مع القدافي)، كلها تبث تاريخيا وموضوعيا أنها مجرد أوهام صورت على أنها أحداث وانتصارات ومشاريع ناجحة، فالتاريخ الرسمي لكل تلك الدول أبرز أشياء، وأخفى العديد من الأشياء، خاصة عن المبررات الحقيقية للاستعمار والأسباب الحقيقية للاستقلال، وعن جرائم الحرب التي ارتكبت في حق المناضلين الحقيقين (تصفية العديد من المناضلين من طرف السلطة الفلسطينية ذاتها، ومن طرف النظام الأردني بالتعاون مع اسرائيل، أو ما وقع في حرب الريف وقمع انتفاضات الأطلس ... في المغرب)، وعن الثورات الشعبية بين تخوم الجبال وبين الأزقة والشوارع والمقابر، عن أولئك الذين كانوا يدرسون ويكونون أنفسهم استعدادا لما بعد الاستعمار، في حين كان الأخرون يقاومون بسواعدهم وصدورهم الصواريخ والغازات السامة. إذن فالفئات الحاكمة في مجمل هذه الدول استمدت جزءا من مشروعيتها من تاريخ مزور.
أما جزءا آخر من الشرعية فاعتمدت فيه أنظمة ما بعد الاستعمار على بناء "مؤسسات الدولة"، حيث تشابك العائلي والطائفي والديني والاقتصادي والعسكري، ليصنع تكتلات متشعبة المصالح ومتقاطعة المصير، هذه التكتلات العلائقية هي المحرك الفعلي لدواليب الدولة، بطبيعة الحال بمساعدة وتأطير من الدول المستعمرة، لكن لابد لتلك القوى المتنفذة (الفئات المحظوظة) من واجهة مؤسسية مقبولة اجتماعيا وقانونيا بالتالي لابد من:
أولا- صنع نخب تابعة (مثقفون، إعلاميون ...) برمجت عبر مؤسسات التنشئة الأجتماعية على إعادة إنتاج الثقافة السائدة ومقاومة كل بوادر وارهاصات التغيير الجدري. على سبل المثال في المجتمع المغربي سجلنا غيرما مرة كيف أتهم العديد من دعاة التغيير بالخيانة والجنون، والخروج عن الطاعة. وكيف عمل العديد من المفكرون والمثقفون على تزيين وتجميل ما أفسدته سياسوية المفسدين. وآخرها حين أشار العديد من الاعلاميين والكتاب إلى شباب 20 فبراير باصابع الاتهام إما بالعمالة لإسبانيا والبوليساريو، أو بالانحلال الأخلاقي، وايقاظ الفتنة. فصناعة النخب المثقفة المدجنة ركن أساس في تثبيت أركان الأنظمة السياسية، وفي المقابل محاولة تقييد القوى الصاعدة والمقاومة إما بالقتل أو السجن أو النفي أو الإغراء، لكن أيضا صناعة معارضات صورية لتلميع الصورة لدى المنظمات الحقوقية والدبلوماسية الدولية.
 ثانيا - ساسة ودبلوماسيون (دساتير، انتخابات، برلمانات، مجالس للشعب ...) لإلهاء الشعوب بالصراع حول القضايا الجزئية، واستنفاذ قواها في الخلافات الجانبية. في ليبيا مثلا نشهد كيف أن من وضع كتابا اخضرا يقول فيه أنه بموجبه يضع السلطة في يد كل الشعب، وأن الشعب يسير نفسه بنفسه، كيف أنه يقصف هذا الشعب بالطائرات بعدما ثار ضده. كما أننا شهدنا كيف أجمع المتتبعون على تزوير الانتخابات في جل الدول التي تدعي الديموقراطية، وكيف تستفتى الشعوب على توريث الابناء في الجمهوريات، كما أنه في دول أخرى وضعت دساتير مثالية لكن الفاعلين الحقيقين يعملون في الظل فوق الدساتير (حكومات الظل أو الدواوين الرئاسية والملكية).
ثالثا- قوى دينية شيوخ وأئمة وزوايا وطقوس وعادات وتقاليد وأعراف .. لإكساب (الفئات المحظوظة) الشرعية الدينية والأخروية إلى درجة تقديسهم وتجريم انتقادهم أو التعليق على أفعالهم وأقوالهم، إما باعتبار أنسابهم أو قيمهم الأخلاقية .. أو لأنهم يرعون الشعائر الدينية ويؤسسون المساجد والأديرة والكنائس، ويحمون الكعبة والحرمين، أو يعطفون على الفقراء والضعفاء ببعض الهبات والصدقات. إذ يتماهى الحاكم هنا مع الاله الجبار والرحيم، الغني والعادل في الآن ذاته. أليس الإله هو من تتحد بين يده كل السلطات الدينية والتنفيذية والتشريعية والقضائية ... وفي الآن نفسه يتعالى على أي انتقاد؟ في دول الخليج مثلا نلحظ كيف اتحدت سلطة المال (آل سعود بالسعودية، آل بو سعيد بسلطنة عمان) مع سلط الدين (آل وهاب، الاباضية) لشرعنة استمرار وتقديس أسر وأشخاص بعينهم وتنزيههم مدى الحياة. في سوريا خرجت هيئة العلماء تستنكر الخروج على الحكم، وفي المغرب عزف بعض العلماء خارج السرب، وعابوا على النظام حتى الإصلاح المعلن عنه.
رابعا- أجهزة أمنية (الحرس والمخابرات) ليس لمواجهة الأعداء الخارجيين بل لحماية المنعم عليهم من أي غضب شعبي ممكن. اذ أن الأجهزة (الجيش ...) التي من وظائفها الدفاع عن الوطن ضد الأعداء غالبا، ما تكون مهمشة ومقصية اجتماعيا واقتصاديا. نتابع مثلا في الجزائر وموريطانيا وسوريا كيف تتحكم باطرونات العسكر والمخابرات في دواليب الدولة. وفي تونس ومصر خلال الثورة لمسنا كيف كان الجيس مغلوبا على أمره هو أيضا، مما جعله ينحاز إلى مطالب الشعب من البداية. وفي الجهة المقابلة جاءت البلطجة والفوضى من الحرس والأمن الرئاسي والمخابرات.
هذا إذن بالنسبة للمشروعية بناءا على بناء "المؤسسات" التي هي في الحقيقة ليست مؤسسات بمعناها السسيولوجي والسياسي باعتبارها بنيات دينامية للتدبير والتسيير الديمقراطي لشؤون الدولة، وانما بنيات بيروقراطية مغلقة لشرعنة استغلال ثروات المجتمعات من طرف الأقلية القليلة. وعلى الرغم من انسياقنا الى محاولة التعميم والنمذجة، إلا أننا نؤكد أيضا على وجود العديد من الفوارق بين كل نظام وآخر من حيث هوامش الحريات ومن حيث قوة تسلط الأجهزة القمعية.
أسباب ثورات الأمم على الأنظمة : 

إن مجمل الدول المغاربية والمشرقية أنظمة أمنية استخباراتية عسكرية لم تصل إلى السلطة نتيجة شرعية تؤهلها للحكم، وإنما أنتزعت شرعيتها بعد سيطرتها على مقاليد الحكم. موظفة كل السبل الشرعية وغير الشرعية لاقناع المهيمن عليهم بشرعيتهم، والأكيد أن العديد من الشعوب قبلت بهذه الأنظمة لمدد زمنية طويلة، لعدة أسباب منها: اقتناعا وفرحا بتحقق انتصارات ما على الأعداء، الخوف، غياب الرؤية والبديل، الأمل في تحسن الأوضاع المعيشية، انسحابا للاهتمام بالمعيشي واليومي. فالعديد من الشعوب كانت على يقين من عدم شرعية أنظمة حكمها، ومن تجذر كل أنواع الفساد في أركانها، إلا أن قوة تحملها وفساحة حلمها وأملها في تحسن الأوضاع، هو الذي كان يؤجل ثورتها. لكن تزايد القمع والقهر وعجز القوى المهيمنة عن إثبات فعاليتها في إدارة الشؤون العامة للبلاد، وبصورة خاصة عجزها عن تحقيق أي إنجازات كبرى في التنمية والتطوير. سواء ما يتعلق منها بالمشاكل الاجتماعية والسياسية، أو باتساع الفوارق الاجتماعية واستفحال مظاهر الثراء الفاحش والفقر المدقع ... كلها عوامل عجلت بانهيار الشرعية بالتالي زوال كل ما تبقى من الدوافع الداخلية للرضا والقبول والموافقة.
إن زوال كل دوافع الرضا والقبول والبيعة للقوى المهيمنة أدى إلى ظهور حراك اجتماعي تلقائي رافض لكل البنيات والأنساق القائمة بما فيها الأحزاب والنقابات والنخب ... وبما فيها الأساليب التقليدية للثورات، فاستعملت الوسائل الحديثة للتواصل وأساليب فنية جديدة، والاعتصام السلمي، والعصيان المدني، إحراق الذات... وابتكرت أشكال احتجاجية غير مسبوقة في التاريخ... مما ينبئ بتغيير أيضا على مستوى المفاهيم ونظريات السلطة والمشاركة السياسية.
الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية : 

في مجتمعات ما قبل الثورة التونسية بنيت المشروعية على أسس تاريخية مشكوك فيها، كما بنيت أيضا على أسس خرافية عاطفية ودينية، والذي يؤسس شرعيته على ما هو ديني وعاطفي لا يفترض فيه أن يكون منحلا خلقيا ولا يتصور أن يشاهد في سلوك يتناقض مع القيم التي يؤسس عليها مشروعيته، كأن يستمد شخص شرعيته من قيمة الصدق والأمانة والعدالة، أو من قيم تحرم التدخين والخمر والزنا والربا. ويكتشف فيما بعد أنه يسرق أموال الشعب، أو يرتشي من أعداء الدولة، أو يتاجر في التدخين والخمر أو يتناوله. لا يمكن أن يتقبل العقل بدعوى الحرية الشخصية عدم التوقف عند مشهد أن شخصية عامة ممن يؤسسون شرعيتهم على تصور ديني كاثوليكي، في حالة عري سافر في الفضاء العام، أو في حالة سكر أو في مشهد جنسي غير قانوني ... يحرمه هو ذاته. كما أنه لا يتصور أن يؤسس شخص شرعيته على قيم الحداثة والتنوير ويكتشف فيما بعد أنه يصادر حق الأخر في الاختلاف. أو أنه يستغل السلوك الأخلاقي لغاية ما كالحصول على منصب ما، فالمفترض منه أن يتمسك بالقيم الأخلاقية بمعناها الكانطي، أي دون أن تكون لسلوكاته الأخلاقية غائية سوى الأخلاق ذاتها.
بتعبير آخر، أن يشاهد شخص يستمد شرعيته من إرثه التراثي الديني المحافظ في مكان أو سلوك مناف لقواعد المرجعية التي يقول أنها تحكمه، لا يجب أن يمرر على أنه حياة خاصة. (كأن نكتشف أن الخليجيين المفترض فيهم أنهم من نسب نبوي شريف، ومحافظين إلى درجة فرض النقاب على النساء ومنعهن من سياقة السيارات، وتنفيد أحكام الحدود ضد السارق والزاني، أن نكتشف أنهم يمارسون كل أنواع الجنس والدعارة والسكر والعربدة والربا والقمار). كما أن مشاهدة تقدمي علماني يطالب عادة بحياد المؤسسة الدينية، وضرورة انصرافها عن التدخل في السياسي، أن يشاهد وهو يقوم بحملة انتخابية داخل أو أمام مسجد أو مؤسسة تعبدية، لا يجب أن يمرر على أنه سلوك مدني عادي.
حرية شخصية أن يتناول مواطن الخمر أو الدخان، حرية شخصية أن يختار المرء شريكه من الجنسين، حرية شخصية أن ينفق المرء ماله الذي كسبه بطريقة شرعية على اقتناء ما شاء من فيلات وسيارات. كلها تدخل في الحياة الخاصة والحميمية للأفراد، والتي لا يجادل أحد في ضرورة احترامها وتقديسها، لكن عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة، المفروض أن تكون الشعوب فوضتها مسؤولية تسيير شؤون الدولة والحفاظ عليها، على هذا المستوى لا حدود بين المجال الخاص والمجال العام، بالتالي ومن باب تفعيل مبدأ الرقابة والمحاسبة، يصبح من الواجب أخلاقيا الكشف عن الحقائق التي تتعلق بمشروعية فرد ما داخل حقل من الحقول الاجتماعية حتى وإن كانت تلك الحقائق تدخل ضمن خانة الحياة الحميمية.
في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية يجب أن تؤسس الشرعية على القبول بالرقابة والمحاسبة. فكل من يتحمل مسؤولية ما، يجب أن يسلم مسبقا بضرورة محاسبته خلال وبعد تحمله للمسؤولية، فلا شرعية لمن لا يتقبل الرقابة والمحاسبة. إذ أن كل صاحب سلطة سياسية أو قضائية أو تشريعية أو تنفيدية أو دينية، لا يتمتع بأية شرعية متى لا ينصاع دوريا لمحاسبة المواطنين. إننا بهذا المعنى نتجاوز النظريات التقليدية التي ترى أن شرعية الحاكم لا تعني بالضرورة أنه صالح وعادل، بل فقط تعني أن المحكومين يعدونه ذو سلطات شرعية دستورية. فلا يكفي أن يجمع الناس على شرعية حكم شخص لكي يكون كذلك، ففي مجتمعات ما بعد الثورة التونسية أصبحنا نتحدث عن الشرعية من جانبها التقييمي (كما يحددها تالكوت بارسونTalcott Parsons) ومن جانبها التقويمي ( كما يحددها ليبست Lipset) أي الشرعية باعتبارها تقييم للفعل وفق القيم العامة والمشتركة، ضمن سياق المشاركة الفعلية في النظام الاجتماعي، لتتخذ نماذج التدبير والتسيير شكل بناء تركيبي قيمي تتجسد فيه القيم والمعتقدات والأفكار المشتركة لتحدد وتنظم وتؤثر في الوقت نفسه في ممارسة القوة والسلطة. إذ ذاك تكمن الشرعية في قدرة النظام على توليد وتدعيم الاعتقاد بأن المؤسسات هي الأكثر ملاءمة لذلك المجتمع، ويقدّر الأفراد والجماعات شرعية نظامهم السياسي أو عدم شرعيته، طبقاً للطرق التي تلتقي فيها قيم هذا النظام مع قيمهم. فالشرعية هنا ليست مسألة تقييمية فحسب، بل هي تتحقق بقدر ما يكون هناك تطابق في القيم. فالنظام السياسي الشرعي هو الذي يمتلك القدرة على الحكم من دون استعمال وسائل القمع والقسر والإكراه المادي والمعنوي. والوصول إلى ذلك يستوجب أمرين أساسيين هما:
1. الوحدة الفعلية بين أهداف السلطة وأهداف المجتمع بغالبيته الكبرى:
لا يتصور بعد الآن أن يستمر نظام حكم سياسي يقوم على أهداف ومصالح أقلية فئوية أو نخبوية ضيقة. فقد أثبتت الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ... أنه لم يعد ممكنا للمثقفين أو لأقلية أو نخبة أن تدعي الوصاية على الشعب باعتباره أميا أو غير مؤطر أو غير مشارك أو غير مبال أو جاهل... لم تعد الشعوب تقبل بحكم عشيرة أو أسرة أو أقلية ما، فالشعوب هي التي قررت ماذا وكيف ومتى تريد. ففي تونس ومصر مثلا بعد سقوط كل من بن علي ومبارك، تابعنا كيف كان التفاعل بين الشارع والساسة إلى أن ثم التوافق حول مبادئ وأهداف وممارسات معينة.
وفي المغرب مثلا حاول النظام من خلال خطاب 9 مارس إعادة بناء تعاقد اجتماعي جديد من خلال تسطير الثوابت المقدسة للدولة (الإسلام كدين للدولة الضامنة لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإمارة المؤمنين، والنظام الملكي، والوحدة الوطنية والترابية، والخيار الديمقراطي) وسبع مرتكزات للإصلاح الدستوري (قد نعتبرها هنا أهداف السلطة) والتي من المفترض أن تكون هي أيضا أهداف المجتمع أو على الأقل الغالبية الكبرى منه. لكن المتتبع للشأن المغربي يدرك أن هذه الأهداف ليست بالضرورة محط إجماع مطلق. ففي المغرب هناك من لا يؤمن بالخيار الديمقراطي، وفي أحسن الأحوال يعتبره مرحلة نحو تصوره لنظام الحكم (كجماعات الإسلام السياسي مثلا)، كما أن في المجتمع المغربي أيضا علمانيون وتقدميون (يهود ومسيحيون ومسلمون) ولادينيون ينادون بالدولة المدنية، وبشكل أو بآخر ينادون بإمارة المواطنين بدل إمارة المؤمنين. كما أن في المغرب أيضا من ينادون بالنظام الجمهوري وإن كانوا قلة وصوتهم خافت. كما أن من المغاربة أيضا من ينادون بالنظام الفيدرالي والحكم الذاتي لبعض المناطق كالريف والصحراء... مما يتطلب حوارا جريئا وديمقراطيا للوصول إلى توافقات وتوليفات تحقق رضا وقبول الأغلبية، وتحقق بالتالي ثورة هادئة فعلية.
2. الممارسة الفعلية المعبرة عن هذه الوحدة في الأهداف:
لا وجود لشرعية مبنية فقط على الوعود والشعارات أو الخطب الحماسية والأوراق، إذ أن الشرعية قاعدتها الممارسة. لذا أكد شباب الثورات على عدم الوثوق بالعديد من الشعارات والخطب والوعود التي أطلقتها الأنظمة قبيل سقوطها. لأن جوهر ممارساتهم قبل الثورة وخلالها تتناقض مع ما وعدوا به من إصلاحات. رأينا كيف غير الشعب التونسي أكثر من حكومة في ظرف أسبوع لمجرد أنه لاحظ تناقضات بين ممارسات تلك الحكومات وما وعدت به. وكيف أن الشعب المصري يصر على إسقاط كل رموز النظام السابق والقطع مع ممارساته وليس فقط إسقاط الحاكم، وفي المجتمع المغربي أيضا نلاحظ كيف يتوجس العديد من المتتبعين – وحركة 20 فبراير بالخصوص – من فحوى وعود الإصلاح والثورة الهادئة التي جاء بها خطاب العاهل المغربي في خطاب 9 مارس، خاصة بعد تجدد قمع الاحتجاجات بعد الإعلان عن القيام بإصلاحات دستورية، مؤكدين على أن أي إصلاح دستوري مرتقب يجب أن يصاحبه تغيير عميق في الممارسات. بدءا من معاقبة ومحاسبة البطانة والحاشية الفاسدة التي جمعت بين السلطة والثروة اعتمادا على القرب من مصادر القرار، وتفكيك المخزنقراطية – أجهزة القمع البوليسي والمخابرات السرية وطقوس العبودية السلطانية – لضمان حق الكرامة والحرية للمواطنين، وتحويل الأجهزة الأمنية من خدمة الطبقة الحاكمة إلى خدمة الوطن والمواطنين، والتوزيع العادل للثروات، إذ أن معالجة الأزمات الاجتماعية كالبطالة وضعف القدرة الشرائية والفقر ومشاكل العمال... لا يجب أن يتم بإثقال الدولة بالمزيد من الديون، بل باعتماد العدالة الاجتماعية.
إننا نستطيع أن نقول بأن الحضارة الإنسانية بمجملها في لحظة تاريخية مركزية ومفصلية، خاصة بعد ما سمي ربيع الثورات، فلا شك أن العديد من المفاهيم ستتم مراجعتها وإعادة التفكير فيها، والعديد من التوازنات في العلاقات الدولية ستصاغ من جديد. بحيث تأخذ بعين الاعتبار أهمية القيم الأخلاقية ( الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية) في سياسة شؤون المواطنين وتدبير الصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية. انطلاقا من مبدأ أن القيم ثروات لا يسمح المساس بها.

العزة وتازة أولا وغزة ثانيا


العزة وتازة أولا وغزة ثانيا

كريم اسكلا


لا يستطيع أحد أن يجادل في مأساوية واقع القضية الفلسطينية، ومقدار الظلم الذي لحق أهلها، من تقتيل وتشريد في استباحة تامة لكل التشريعات والمواثيق والقيم الانسانية. لكن لن نجادل أيضا في مأساوية المتاجرة بها،  فقد تاجر بهذه القضية أطراف عديدة منذ بدايتها بما فيها الحركة الصهيونية، وبما فيها أيضا بعض الفلسطينيين الخونة، ويضاف إلى ذلك مجموعة من الأنظمة الدكتاتورية سواء العربية أو الإسلامية أو الغربية...وكذلك نخب ظلت ترهن مستقبل الشعوب بحل هذه القضية. وآخر استغلال سافر لهذه القضية العادلة دعوات مجموعة من التوجهات بالمغرب إلى مسيرات للتضامن مع القدس بمناسبة اليوم العالمي للأرض. فنبل القضية ونبل الدعوات الانسانية والحقوقية للتضامن من أجل هذه القضية، لا يجب أن ينسينا الاستغلال البشع لمثل هذه القضايا لأغراض غير نبيلة، فما معنى أن تخرج مسيرات تسمى تضامنية بحجة الحق في الحياة والعيش الكريم للشعب الفلسطيني...ولا تخرج المسيرات ذاتها للمطالبة بالشيء نفسه في بلداننا ؟
لقد وصل بنا الحال، في المغرب، إلى درجة التنافس في التضامن مع الآخرين، " ففي ذلك فليتنافس المتنافسون"، حيث فجّر التضامن مع القدس والشعب الفلسطيني صراعا بين «مجموعة العمل الوطنية لمساندة العراق وفلسطين» و« الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني» و« الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة»، وقد فرض هذا الصراع تنظيم  أكثر من مسيرة وطنية، كانت الأولى يوم 25 مارس من تنظيم «الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة» و مسيرات أخرى يوم 30 مارس  من تنظيم الجهة نفسها، بينما نظمت مسيرات أخرى يوم فاتح أبريل وأشرفت عليها «مجموعة العمل الوطنية لمساندة العراق وفلسطين» و»الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني »... وانهمك الإعلاميون والمحللون في مقارنة عدد وعدة كل طرف في محاولة منهم لفرض أجندة مغايرة للهم المحلي.
هؤلاء  "المجاهدون" و "المناضلون" و "الحقوقيون" ( باستثناء بعض الفعاليات الحقوقية ) لم يخرجوا للتضامن مع شهداء البرد القارص بمرتفعات الأطلس، أو مع ضحايا النصب والاحتيال باسم النجاة، أو مع ضحايا نهب صناديق التقاعد والعقار والسياحة، أو مع المنتحرين من أجل الكرامة، أو العطشى واليتامى و الأرامل والحفاة بين صحاري وجبالات المغرب المنسي، أو مع الأمهات اللائي يلدن في الشوارع أو في الممرات، أو مع أطفال وفتيات تستغلهم مافيات تجارة اللحم البشري، أو ضحايا النصب باسم القروض الصغرى، أو ضحايا الهجرة السرية، أو العمال والعاملات الذين يتم تسريحهم...
 إننا هنا لا نعمم الكلام على الجميع، فلا ننفي أن العديد من الفعاليات المتبنية للقضايا الانسانية بما فيها القضية الفلسطينية منخرطة في الحراك الاجتماعي المحلي وتتبنى أيضا وبشكل كامل القضايا الوطنية والمحلية... فكلامنا هنا يعني بالدرجة الاولى هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا من القضايا الانسانية الخارجية (القضية الفلسطينية مثلا) أفيونا لإلهاء الشعوب عن قضاياها المعيشة.
هؤلاء "المجاهدون" و "المناضلون" و "الحقوقيون" ينسحبون إلى "رهبانيتهم" حين يتعلق الآمر بالقضايا الوطنية، وباسم "الخروج في سبيل الله" ينصرفون عن الترافع من أجل المشاكل والقضايا الحقوقية المحلية إلى الانزواء في "خلوتهم"، ولا نسمع لهم صوتا إلا عندما يتعلق الأمر بطفل هنالك أصابته نعلة الأعداء، ويتناسوا أن سياط الإخوة  أكثر قسوة من سياط الأعداء ...
هؤلاء "المناضلون" و "الحقوقيون" لا يتألمون لبكاء طفل أو امرأة أو رجل مغربي ...ويتألمون ويئنون فقط  لصرخة امرأة شرقية...فقد جلد أهل أسفي ..وكأن على رؤوسهم الطير...واحترقت تازة ...ولم يحركوا ساكنا..وتسحل جبالات الريف ..وقد أسمعت لو ناديت حيا ...وانتفاضة سكان اميضر ووكليم لازالت مستمرة...وانتفاضات أخرى عديدة يصعب حصرها في مقامنا هذا... لكن ردا على كل ذلك قالوا أن "الفتنة نائمة نعل الله موقظها "، وقال اخرون أن "السقف الذي يظلهم ليس هو ذات السقف الذي يظل الشعب".
 فجأة ..وبعد "خلوتهم في سبيل الله" ها هم يخرجون ذات يوم بارد ..في ليلة كذبة سخيفة... والذريعة دماء غزة ! بأي وجه سنعلن تضامننا مع غزة ؟... وغزة وبالرغم من أنها محتلة ومحاصرة وفي حالة حرب...لكنها متقدمة علينا في مؤشرات التعليم... ! نحن أولى بالتضامن. شعب أمي... وشعب حر متعلم، من يجب أن يتضامن مع من ؟
 بمناسبة يوم الأرض تضامن هؤلاء "المناضلون" و "الحقوقيون" مع شعوب تعيش فوق أرض ما كيفما كانت، تضامنون مع الشعوب كلها باستثناء شعبهم الذي يعيشون بين ظهرانيه.
أيها "المناضلون" و "الحقوقيون" غزة تقول لكم :
 كل من لا يتضامن مع شعبه لا يعول عليه.
لا خير يرجى ممن لا ينتصر لشعبه.
لا تناصرون شعبكم فكيف ستناصرون شعوبا أخرى؟
أيها "المناضلون" و "الحقوقيون" متى كان بإمكان عبد مملوك أن يتضامن مع سيد، فذلك الطفل الحامل للشارة والحجارة...سيد نفسه، فما عساكم تقدمون نفعا لأسيادكم ؟  إن أفضل شيء نقدمه لفلسطين وللشعوب المقهورة هو أن نحرر ذواتنا من القهر والظلم والطغيان...فالكرامة والعزة والتحرر ( القضايا المحلية والوطنية ) أولا، وغزة ( القضايا الانسانية ) ثانيا.


المقال منشور في موقع كلامكم 


جديد: مقالاتي في كتاب الكتروني للتصفح - اضغط وسط الاطار -

الهوامش المنسية في كتاب ورقي

الهوامش المنسية في كتاب ورقي

 
-