مدونة الهوامش المنسية : رصد و حوارات و تساؤلات...من أجل تكريس الحرية و الكرامة و ثقافة الاختلاف لقد تم تغيير اسم المدونة ليصبح " الهوامش المنسية " و سيتم تخصيص صفحة للابداع الشعري تحت اسم " هوس الكلمات ".... كما تمت اضافة مقالات جديدة في ساحة الحوار ...... ..... حركة 20 فبراير : دعوة متجددة للاحتجاج الاجتماعي السلمي ..... ممتن و شاكر لزيارتكم .... للتفاعل و التواصل k.isskela@gmail.com

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوسيولوجيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوسيولوجيا. إظهار كافة الرسائل

أسس الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية


أسس الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية
محاولة في فهم طبيعة وأسباب ثورات الأمم
كريم إسكلا
إن الحراك الاحتجاجي الثوري الذي تعيشه العديد من المجتمعات المغاربية والمشرقية، والذي أججته الثورة التونسية، ما هو إلا تعبير عن إرادة إعادة صوغ العلاقات المجتمعية على أسس ومبادئ جديدة، فهو بالتالي إسقاط عملي للشرعية عن البنيات والعلاقات القائمة. في هذا المقال نحاول فهم وتفهم طبيعة ومسببات هذه الثورات، إذ نذهب إلى درجة تبني التأريخ للمجتمعات إلى مجتمعات ما قبل وما بعد الثورة في تونس، ليس فقط نظرا للثأثيرات التي أحدثتها ويمكن أن تحدثها في المجتمعات العربية والاسلامية، وإنما أيضا في مختلف دول العالم، وكذا على مستوى النظريات السياسية والفلسفية حول السلطة والدمقراطية والمشاركة السياسية والشرعية. فبعد سلسلة التهاوي المتسارع لمجموعة من الأنظمة السياسية العربية، وفي ظل تصاعد موجات الحراك الثوري الاحتجاجي ضد حكام آخرين، للمرء أن يتساءل عن السبل والوسائل التي انتهجها هؤلاء الحكام للوصول إلى الهيمنـة على شعوبهم كل هذا الزمن؟ وكيف ولماذا سقطت أنظمتهم فجأة بهذه السرعة وبهذه الطريقة؟ كيف يتم بناء وتهديم شرعية نظام حكم سياسي؟ وبتعبير آخر، بما أنه لا يمكن لشخص أو لفئة أن تبسط هيمنتها إلا بتواطؤ من الفئة المهيمن عليها، فكيف انتزعت الأنظمة الحاكمة في الدول المغاربية والمشرقية شرعيتها؟ وما هي العوامل التي أدت بالشعوب إلى الثورة عليهم وإسقاط الشرعية عنهم؟ أشخاص وعائلات هتفت بأسمائهم حشود من الناس لعقود، كيف تنهار أنظمتهم في ظرف شهر أو شهرين؟ ... لا يمكننا بالمطلق التوصل إلى أجوبة مقنعة لكل تلك التساؤلات، وهذا المبتغى لا نرجوه أصلا، إذ يكفينا أن نستفز في الفكر بعض التساؤل والقلق.
لعبة الهيمنة وبناء الشرعية

يقول بيير بورديو في حوار أجرته معه مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 37، دجنبر 1985: «إن السلطة ليست شيئا متموضعا في مكان ما، وإنما هي عبارة عن نظام من العلاقات المتشابكة، ونجد أن كل بنية العالم الاجتماعي، ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، من أجل فهم آليات الهيمنة والسيطرة». إن السلطة إذن، حسب بورديو، بمثابة نظام معقد، يخترق كل العلاقات والترابطات، التي تشتغل داخليا، بواسطة آليات دقيقة وجد فعالة، تتحكم في البنية العامة لذلك النظام. والسلطة كما يحددها بيير بورديو تعتمد أسلوب الإخفاء، وهي لا يمكن أن تحقق تأثيرها المفترض، وتنفيذها بشكل فعال وإيجابي، إلا من خلال الاعتراف من طرف أغلبية الناس المعنيين بها، والذين تبدو لهم هذه الحقيقة وهمية، ولا يعترفون بها. يقول بورديو في كتابه الرمز والسلطة «إن السلطة الرمزية هي سلطة لامرئية، ولا يمكن أن تمارَس، إلا بتواطؤ أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون لها، بل ويمارسونها». بالتالي فلا سلطة ولا هيمنة إلا باعتراف وشرعنة من طرف المهيمن عليه.
هنا يبرز مفهوم الشرعية، وما هي إلا القبول غير القسري (الطوعي) لفئة ما بهيمنة وسلطة فئة أخرى، ونجد أن ماكس فيبر (Max Weber) يعد من الرواد في الأخذ بمفهوم الشرعية، حيث حددها بوصفها صفة تنسب لنظام ما من قبل أولئك الخاضعين له، من خلال عدة طرق تتمثل في التقاليد أو بعض المواقف العاطفية، أو عن طريق الاعتقاد العقلاني بقيمة مطلقة، أو بأساليب تعد قانونية أو شرعية مقبولة. هذا يعني أنه يعرّف ثلاثة أنواع من الشرعية: التقليدية، والكاريزمية، والشرعية العقلانية. ويكون الولاء والالتزام في النوعين الأول والثاني إلى شخص (رئيس تقليدي، أو زعيم بطل أو زعيم روحي)، أما في النوع الثالث، فتكون الطاعة والقبول لشبكة المؤسسات المبنية بصورة شرعية التي تحمل الطابع الفردي، والشرعية في الأنواع الثلاثة كلها معرّفة في سياق قبول المجتمع به. ولتتمكن فئة من الهيمنة على مختلف الحقول الاجتماعية، لابد لها من مراكمة جميع الرساميل (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرمزية). كما أن مايكل هدسون مثلا وضع ثلاث قواعد ممكنة لبناء الشرعية، وهي تشكل في الوقت نفسه ثلاثة مصادر للشرعية هي:
- القاعد الشخصية، باعتبار أن المكون الشخصي مكوّن أساسي في السلطات القبلية التقليدية، وفي السياسة المعاصرة أيضا.
- القاعدة الايديولوجية، وتتلخص في مجموعة من المثل والأهداف التي تساعد النظام على فهم الماضي وتفسير الحاضر، واستشراف المستقبل.
- القاعدة البنيوية، أي تلك التي تنبع من المؤسسات، وبقدر ما يكون الحكم متأسساً، يزداد الاعتقاد بشرعية القوانين والنظم.
بشكل مختصر يمكن القول أن الشرعية صفة يجب أن تلازم أي نظام سياسي، من أجل ممارسة الحكم، وهي تقوم على جانبين: الأول شكلي يتمثل في دستورية السلطة، أي بإنشاء جمل من الأنساق القانونية والسياسية والثقافية والعسكرية والأمنية التي ترسخ هيمنة الطبقة المهيمنة وسيادة ثقافتها. والثاني موضوعي، يتمثل في قناعة ورضا أفراد المجتمع بهذه السلطة، وهذه القناعة يتم ترسيخا والعمل على استمرارها عبر الأجهزة الايديولوجية للدولة: الاعلام والمدرسة والمؤسسة الدينية ... نتساءل على هذا المستوى: ما هي الأسس التي تبني عليها الأنظمة العربية والاسلامية (أو المغاربية والشرق أوسطية) شرعيتها السياسية؟
الشرعية في مجتمعات ما قبل الثورة التونسية: 

تشهد المجتمعات المغاربية والمشرقية إحدى أكثر التغييرات السياسية والسسوسيوثقافية أهمية منذ حوالي 200 سنة – أي منذ بداية فترة فرض مطالب الاصلاح من الخارج -، فمنذ الفترة الاستعمارية وما بعد الاستعمار لم تشهد هذه المجتمعات هزات اجتماعية وبنيوية عميقة كالتي تشهدها هذه الأيام، ففي تلك الفترة جاءت مطالب الاصلاح من الدول الاوربية أساسا كذرائع للتغلغل أكثر والمحافظة على الامتيازات والمصالح، باستعمال كل الطرق العسكرية والدبلوماسية المتوفرة لديها، وأمام استمرار الرفض والمقاومة من طرف الشعوب، وبعدما أدركت الدول الاستعمارية استحالة استمرارها في الاستغلال المباشر لتلك الدول، استخدمت سياسة المراوغة، إذ منحت تلك المجتمعات استقلالا صوريا وشكليا، بالتواطؤ مع مجموعة من القوى المحلية. تلك القوى المحلية التي تسلمت مشعل بناء ما سمي دول ما بعد الاستقلال استمدت جزاءا من شرعيتها من هيمنتها على كتابة تاريخ مقاومة المستعمر، ومحاربة العدو، وتحقيق انتصارات وهمية (كحرب أكتوبر وتحرير سينا في مصر مع السادات وعبد الناصر ومبارك، أو توحيد البلاد ومواجهة الانفصاليين في اليمن مع عبد الله صالح، أو حماية البلاد من الارهاب وتحقيق السلم في الجزائر مع بوتفليقة، أو معاداة أمريكا وإسرائيل والنهر العظيم ... في ليبيا مع القدافي)، كلها تبث تاريخيا وموضوعيا أنها مجرد أوهام صورت على أنها أحداث وانتصارات ومشاريع ناجحة، فالتاريخ الرسمي لكل تلك الدول أبرز أشياء، وأخفى العديد من الأشياء، خاصة عن المبررات الحقيقية للاستعمار والأسباب الحقيقية للاستقلال، وعن جرائم الحرب التي ارتكبت في حق المناضلين الحقيقين (تصفية العديد من المناضلين من طرف السلطة الفلسطينية ذاتها، ومن طرف النظام الأردني بالتعاون مع اسرائيل، أو ما وقع في حرب الريف وقمع انتفاضات الأطلس ... في المغرب)، وعن الثورات الشعبية بين تخوم الجبال وبين الأزقة والشوارع والمقابر، عن أولئك الذين كانوا يدرسون ويكونون أنفسهم استعدادا لما بعد الاستعمار، في حين كان الأخرون يقاومون بسواعدهم وصدورهم الصواريخ والغازات السامة. إذن فالفئات الحاكمة في مجمل هذه الدول استمدت جزءا من مشروعيتها من تاريخ مزور.
أما جزءا آخر من الشرعية فاعتمدت فيه أنظمة ما بعد الاستعمار على بناء "مؤسسات الدولة"، حيث تشابك العائلي والطائفي والديني والاقتصادي والعسكري، ليصنع تكتلات متشعبة المصالح ومتقاطعة المصير، هذه التكتلات العلائقية هي المحرك الفعلي لدواليب الدولة، بطبيعة الحال بمساعدة وتأطير من الدول المستعمرة، لكن لابد لتلك القوى المتنفذة (الفئات المحظوظة) من واجهة مؤسسية مقبولة اجتماعيا وقانونيا بالتالي لابد من:
أولا- صنع نخب تابعة (مثقفون، إعلاميون ...) برمجت عبر مؤسسات التنشئة الأجتماعية على إعادة إنتاج الثقافة السائدة ومقاومة كل بوادر وارهاصات التغيير الجدري. على سبل المثال في المجتمع المغربي سجلنا غيرما مرة كيف أتهم العديد من دعاة التغيير بالخيانة والجنون، والخروج عن الطاعة. وكيف عمل العديد من المفكرون والمثقفون على تزيين وتجميل ما أفسدته سياسوية المفسدين. وآخرها حين أشار العديد من الاعلاميين والكتاب إلى شباب 20 فبراير باصابع الاتهام إما بالعمالة لإسبانيا والبوليساريو، أو بالانحلال الأخلاقي، وايقاظ الفتنة. فصناعة النخب المثقفة المدجنة ركن أساس في تثبيت أركان الأنظمة السياسية، وفي المقابل محاولة تقييد القوى الصاعدة والمقاومة إما بالقتل أو السجن أو النفي أو الإغراء، لكن أيضا صناعة معارضات صورية لتلميع الصورة لدى المنظمات الحقوقية والدبلوماسية الدولية.
 ثانيا - ساسة ودبلوماسيون (دساتير، انتخابات، برلمانات، مجالس للشعب ...) لإلهاء الشعوب بالصراع حول القضايا الجزئية، واستنفاذ قواها في الخلافات الجانبية. في ليبيا مثلا نشهد كيف أن من وضع كتابا اخضرا يقول فيه أنه بموجبه يضع السلطة في يد كل الشعب، وأن الشعب يسير نفسه بنفسه، كيف أنه يقصف هذا الشعب بالطائرات بعدما ثار ضده. كما أننا شهدنا كيف أجمع المتتبعون على تزوير الانتخابات في جل الدول التي تدعي الديموقراطية، وكيف تستفتى الشعوب على توريث الابناء في الجمهوريات، كما أنه في دول أخرى وضعت دساتير مثالية لكن الفاعلين الحقيقين يعملون في الظل فوق الدساتير (حكومات الظل أو الدواوين الرئاسية والملكية).
ثالثا- قوى دينية شيوخ وأئمة وزوايا وطقوس وعادات وتقاليد وأعراف .. لإكساب (الفئات المحظوظة) الشرعية الدينية والأخروية إلى درجة تقديسهم وتجريم انتقادهم أو التعليق على أفعالهم وأقوالهم، إما باعتبار أنسابهم أو قيمهم الأخلاقية .. أو لأنهم يرعون الشعائر الدينية ويؤسسون المساجد والأديرة والكنائس، ويحمون الكعبة والحرمين، أو يعطفون على الفقراء والضعفاء ببعض الهبات والصدقات. إذ يتماهى الحاكم هنا مع الاله الجبار والرحيم، الغني والعادل في الآن ذاته. أليس الإله هو من تتحد بين يده كل السلطات الدينية والتنفيذية والتشريعية والقضائية ... وفي الآن نفسه يتعالى على أي انتقاد؟ في دول الخليج مثلا نلحظ كيف اتحدت سلطة المال (آل سعود بالسعودية، آل بو سعيد بسلطنة عمان) مع سلط الدين (آل وهاب، الاباضية) لشرعنة استمرار وتقديس أسر وأشخاص بعينهم وتنزيههم مدى الحياة. في سوريا خرجت هيئة العلماء تستنكر الخروج على الحكم، وفي المغرب عزف بعض العلماء خارج السرب، وعابوا على النظام حتى الإصلاح المعلن عنه.
رابعا- أجهزة أمنية (الحرس والمخابرات) ليس لمواجهة الأعداء الخارجيين بل لحماية المنعم عليهم من أي غضب شعبي ممكن. اذ أن الأجهزة (الجيش ...) التي من وظائفها الدفاع عن الوطن ضد الأعداء غالبا، ما تكون مهمشة ومقصية اجتماعيا واقتصاديا. نتابع مثلا في الجزائر وموريطانيا وسوريا كيف تتحكم باطرونات العسكر والمخابرات في دواليب الدولة. وفي تونس ومصر خلال الثورة لمسنا كيف كان الجيس مغلوبا على أمره هو أيضا، مما جعله ينحاز إلى مطالب الشعب من البداية. وفي الجهة المقابلة جاءت البلطجة والفوضى من الحرس والأمن الرئاسي والمخابرات.
هذا إذن بالنسبة للمشروعية بناءا على بناء "المؤسسات" التي هي في الحقيقة ليست مؤسسات بمعناها السسيولوجي والسياسي باعتبارها بنيات دينامية للتدبير والتسيير الديمقراطي لشؤون الدولة، وانما بنيات بيروقراطية مغلقة لشرعنة استغلال ثروات المجتمعات من طرف الأقلية القليلة. وعلى الرغم من انسياقنا الى محاولة التعميم والنمذجة، إلا أننا نؤكد أيضا على وجود العديد من الفوارق بين كل نظام وآخر من حيث هوامش الحريات ومن حيث قوة تسلط الأجهزة القمعية.
أسباب ثورات الأمم على الأنظمة : 

إن مجمل الدول المغاربية والمشرقية أنظمة أمنية استخباراتية عسكرية لم تصل إلى السلطة نتيجة شرعية تؤهلها للحكم، وإنما أنتزعت شرعيتها بعد سيطرتها على مقاليد الحكم. موظفة كل السبل الشرعية وغير الشرعية لاقناع المهيمن عليهم بشرعيتهم، والأكيد أن العديد من الشعوب قبلت بهذه الأنظمة لمدد زمنية طويلة، لعدة أسباب منها: اقتناعا وفرحا بتحقق انتصارات ما على الأعداء، الخوف، غياب الرؤية والبديل، الأمل في تحسن الأوضاع المعيشية، انسحابا للاهتمام بالمعيشي واليومي. فالعديد من الشعوب كانت على يقين من عدم شرعية أنظمة حكمها، ومن تجذر كل أنواع الفساد في أركانها، إلا أن قوة تحملها وفساحة حلمها وأملها في تحسن الأوضاع، هو الذي كان يؤجل ثورتها. لكن تزايد القمع والقهر وعجز القوى المهيمنة عن إثبات فعاليتها في إدارة الشؤون العامة للبلاد، وبصورة خاصة عجزها عن تحقيق أي إنجازات كبرى في التنمية والتطوير. سواء ما يتعلق منها بالمشاكل الاجتماعية والسياسية، أو باتساع الفوارق الاجتماعية واستفحال مظاهر الثراء الفاحش والفقر المدقع ... كلها عوامل عجلت بانهيار الشرعية بالتالي زوال كل ما تبقى من الدوافع الداخلية للرضا والقبول والموافقة.
إن زوال كل دوافع الرضا والقبول والبيعة للقوى المهيمنة أدى إلى ظهور حراك اجتماعي تلقائي رافض لكل البنيات والأنساق القائمة بما فيها الأحزاب والنقابات والنخب ... وبما فيها الأساليب التقليدية للثورات، فاستعملت الوسائل الحديثة للتواصل وأساليب فنية جديدة، والاعتصام السلمي، والعصيان المدني، إحراق الذات... وابتكرت أشكال احتجاجية غير مسبوقة في التاريخ... مما ينبئ بتغيير أيضا على مستوى المفاهيم ونظريات السلطة والمشاركة السياسية.
الشرعية في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية : 

في مجتمعات ما قبل الثورة التونسية بنيت المشروعية على أسس تاريخية مشكوك فيها، كما بنيت أيضا على أسس خرافية عاطفية ودينية، والذي يؤسس شرعيته على ما هو ديني وعاطفي لا يفترض فيه أن يكون منحلا خلقيا ولا يتصور أن يشاهد في سلوك يتناقض مع القيم التي يؤسس عليها مشروعيته، كأن يستمد شخص شرعيته من قيمة الصدق والأمانة والعدالة، أو من قيم تحرم التدخين والخمر والزنا والربا. ويكتشف فيما بعد أنه يسرق أموال الشعب، أو يرتشي من أعداء الدولة، أو يتاجر في التدخين والخمر أو يتناوله. لا يمكن أن يتقبل العقل بدعوى الحرية الشخصية عدم التوقف عند مشهد أن شخصية عامة ممن يؤسسون شرعيتهم على تصور ديني كاثوليكي، في حالة عري سافر في الفضاء العام، أو في حالة سكر أو في مشهد جنسي غير قانوني ... يحرمه هو ذاته. كما أنه لا يتصور أن يؤسس شخص شرعيته على قيم الحداثة والتنوير ويكتشف فيما بعد أنه يصادر حق الأخر في الاختلاف. أو أنه يستغل السلوك الأخلاقي لغاية ما كالحصول على منصب ما، فالمفترض منه أن يتمسك بالقيم الأخلاقية بمعناها الكانطي، أي دون أن تكون لسلوكاته الأخلاقية غائية سوى الأخلاق ذاتها.
بتعبير آخر، أن يشاهد شخص يستمد شرعيته من إرثه التراثي الديني المحافظ في مكان أو سلوك مناف لقواعد المرجعية التي يقول أنها تحكمه، لا يجب أن يمرر على أنه حياة خاصة. (كأن نكتشف أن الخليجيين المفترض فيهم أنهم من نسب نبوي شريف، ومحافظين إلى درجة فرض النقاب على النساء ومنعهن من سياقة السيارات، وتنفيد أحكام الحدود ضد السارق والزاني، أن نكتشف أنهم يمارسون كل أنواع الجنس والدعارة والسكر والعربدة والربا والقمار). كما أن مشاهدة تقدمي علماني يطالب عادة بحياد المؤسسة الدينية، وضرورة انصرافها عن التدخل في السياسي، أن يشاهد وهو يقوم بحملة انتخابية داخل أو أمام مسجد أو مؤسسة تعبدية، لا يجب أن يمرر على أنه سلوك مدني عادي.
حرية شخصية أن يتناول مواطن الخمر أو الدخان، حرية شخصية أن يختار المرء شريكه من الجنسين، حرية شخصية أن ينفق المرء ماله الذي كسبه بطريقة شرعية على اقتناء ما شاء من فيلات وسيارات. كلها تدخل في الحياة الخاصة والحميمية للأفراد، والتي لا يجادل أحد في ضرورة احترامها وتقديسها، لكن عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة، المفروض أن تكون الشعوب فوضتها مسؤولية تسيير شؤون الدولة والحفاظ عليها، على هذا المستوى لا حدود بين المجال الخاص والمجال العام، بالتالي ومن باب تفعيل مبدأ الرقابة والمحاسبة، يصبح من الواجب أخلاقيا الكشف عن الحقائق التي تتعلق بمشروعية فرد ما داخل حقل من الحقول الاجتماعية حتى وإن كانت تلك الحقائق تدخل ضمن خانة الحياة الحميمية.
في مجتمعات ما بعد الثورة التونسية يجب أن تؤسس الشرعية على القبول بالرقابة والمحاسبة. فكل من يتحمل مسؤولية ما، يجب أن يسلم مسبقا بضرورة محاسبته خلال وبعد تحمله للمسؤولية، فلا شرعية لمن لا يتقبل الرقابة والمحاسبة. إذ أن كل صاحب سلطة سياسية أو قضائية أو تشريعية أو تنفيدية أو دينية، لا يتمتع بأية شرعية متى لا ينصاع دوريا لمحاسبة المواطنين. إننا بهذا المعنى نتجاوز النظريات التقليدية التي ترى أن شرعية الحاكم لا تعني بالضرورة أنه صالح وعادل، بل فقط تعني أن المحكومين يعدونه ذو سلطات شرعية دستورية. فلا يكفي أن يجمع الناس على شرعية حكم شخص لكي يكون كذلك، ففي مجتمعات ما بعد الثورة التونسية أصبحنا نتحدث عن الشرعية من جانبها التقييمي (كما يحددها تالكوت بارسونTalcott Parsons) ومن جانبها التقويمي ( كما يحددها ليبست Lipset) أي الشرعية باعتبارها تقييم للفعل وفق القيم العامة والمشتركة، ضمن سياق المشاركة الفعلية في النظام الاجتماعي، لتتخذ نماذج التدبير والتسيير شكل بناء تركيبي قيمي تتجسد فيه القيم والمعتقدات والأفكار المشتركة لتحدد وتنظم وتؤثر في الوقت نفسه في ممارسة القوة والسلطة. إذ ذاك تكمن الشرعية في قدرة النظام على توليد وتدعيم الاعتقاد بأن المؤسسات هي الأكثر ملاءمة لذلك المجتمع، ويقدّر الأفراد والجماعات شرعية نظامهم السياسي أو عدم شرعيته، طبقاً للطرق التي تلتقي فيها قيم هذا النظام مع قيمهم. فالشرعية هنا ليست مسألة تقييمية فحسب، بل هي تتحقق بقدر ما يكون هناك تطابق في القيم. فالنظام السياسي الشرعي هو الذي يمتلك القدرة على الحكم من دون استعمال وسائل القمع والقسر والإكراه المادي والمعنوي. والوصول إلى ذلك يستوجب أمرين أساسيين هما:
1. الوحدة الفعلية بين أهداف السلطة وأهداف المجتمع بغالبيته الكبرى:
لا يتصور بعد الآن أن يستمر نظام حكم سياسي يقوم على أهداف ومصالح أقلية فئوية أو نخبوية ضيقة. فقد أثبتت الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ... أنه لم يعد ممكنا للمثقفين أو لأقلية أو نخبة أن تدعي الوصاية على الشعب باعتباره أميا أو غير مؤطر أو غير مشارك أو غير مبال أو جاهل... لم تعد الشعوب تقبل بحكم عشيرة أو أسرة أو أقلية ما، فالشعوب هي التي قررت ماذا وكيف ومتى تريد. ففي تونس ومصر مثلا بعد سقوط كل من بن علي ومبارك، تابعنا كيف كان التفاعل بين الشارع والساسة إلى أن ثم التوافق حول مبادئ وأهداف وممارسات معينة.
وفي المغرب مثلا حاول النظام من خلال خطاب 9 مارس إعادة بناء تعاقد اجتماعي جديد من خلال تسطير الثوابت المقدسة للدولة (الإسلام كدين للدولة الضامنة لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإمارة المؤمنين، والنظام الملكي، والوحدة الوطنية والترابية، والخيار الديمقراطي) وسبع مرتكزات للإصلاح الدستوري (قد نعتبرها هنا أهداف السلطة) والتي من المفترض أن تكون هي أيضا أهداف المجتمع أو على الأقل الغالبية الكبرى منه. لكن المتتبع للشأن المغربي يدرك أن هذه الأهداف ليست بالضرورة محط إجماع مطلق. ففي المغرب هناك من لا يؤمن بالخيار الديمقراطي، وفي أحسن الأحوال يعتبره مرحلة نحو تصوره لنظام الحكم (كجماعات الإسلام السياسي مثلا)، كما أن في المجتمع المغربي أيضا علمانيون وتقدميون (يهود ومسيحيون ومسلمون) ولادينيون ينادون بالدولة المدنية، وبشكل أو بآخر ينادون بإمارة المواطنين بدل إمارة المؤمنين. كما أن في المغرب أيضا من ينادون بالنظام الجمهوري وإن كانوا قلة وصوتهم خافت. كما أن من المغاربة أيضا من ينادون بالنظام الفيدرالي والحكم الذاتي لبعض المناطق كالريف والصحراء... مما يتطلب حوارا جريئا وديمقراطيا للوصول إلى توافقات وتوليفات تحقق رضا وقبول الأغلبية، وتحقق بالتالي ثورة هادئة فعلية.
2. الممارسة الفعلية المعبرة عن هذه الوحدة في الأهداف:
لا وجود لشرعية مبنية فقط على الوعود والشعارات أو الخطب الحماسية والأوراق، إذ أن الشرعية قاعدتها الممارسة. لذا أكد شباب الثورات على عدم الوثوق بالعديد من الشعارات والخطب والوعود التي أطلقتها الأنظمة قبيل سقوطها. لأن جوهر ممارساتهم قبل الثورة وخلالها تتناقض مع ما وعدوا به من إصلاحات. رأينا كيف غير الشعب التونسي أكثر من حكومة في ظرف أسبوع لمجرد أنه لاحظ تناقضات بين ممارسات تلك الحكومات وما وعدت به. وكيف أن الشعب المصري يصر على إسقاط كل رموز النظام السابق والقطع مع ممارساته وليس فقط إسقاط الحاكم، وفي المجتمع المغربي أيضا نلاحظ كيف يتوجس العديد من المتتبعين – وحركة 20 فبراير بالخصوص – من فحوى وعود الإصلاح والثورة الهادئة التي جاء بها خطاب العاهل المغربي في خطاب 9 مارس، خاصة بعد تجدد قمع الاحتجاجات بعد الإعلان عن القيام بإصلاحات دستورية، مؤكدين على أن أي إصلاح دستوري مرتقب يجب أن يصاحبه تغيير عميق في الممارسات. بدءا من معاقبة ومحاسبة البطانة والحاشية الفاسدة التي جمعت بين السلطة والثروة اعتمادا على القرب من مصادر القرار، وتفكيك المخزنقراطية – أجهزة القمع البوليسي والمخابرات السرية وطقوس العبودية السلطانية – لضمان حق الكرامة والحرية للمواطنين، وتحويل الأجهزة الأمنية من خدمة الطبقة الحاكمة إلى خدمة الوطن والمواطنين، والتوزيع العادل للثروات، إذ أن معالجة الأزمات الاجتماعية كالبطالة وضعف القدرة الشرائية والفقر ومشاكل العمال... لا يجب أن يتم بإثقال الدولة بالمزيد من الديون، بل باعتماد العدالة الاجتماعية.
إننا نستطيع أن نقول بأن الحضارة الإنسانية بمجملها في لحظة تاريخية مركزية ومفصلية، خاصة بعد ما سمي ربيع الثورات، فلا شك أن العديد من المفاهيم ستتم مراجعتها وإعادة التفكير فيها، والعديد من التوازنات في العلاقات الدولية ستصاغ من جديد. بحيث تأخذ بعين الاعتبار أهمية القيم الأخلاقية ( الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية) في سياسة شؤون المواطنين وتدبير الصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية. انطلاقا من مبدأ أن القيم ثروات لا يسمح المساس بها.

العزة وتازة أولا وغزة ثانيا


العزة وتازة أولا وغزة ثانيا

كريم اسكلا


لا يستطيع أحد أن يجادل في مأساوية واقع القضية الفلسطينية، ومقدار الظلم الذي لحق أهلها، من تقتيل وتشريد في استباحة تامة لكل التشريعات والمواثيق والقيم الانسانية. لكن لن نجادل أيضا في مأساوية المتاجرة بها،  فقد تاجر بهذه القضية أطراف عديدة منذ بدايتها بما فيها الحركة الصهيونية، وبما فيها أيضا بعض الفلسطينيين الخونة، ويضاف إلى ذلك مجموعة من الأنظمة الدكتاتورية سواء العربية أو الإسلامية أو الغربية...وكذلك نخب ظلت ترهن مستقبل الشعوب بحل هذه القضية. وآخر استغلال سافر لهذه القضية العادلة دعوات مجموعة من التوجهات بالمغرب إلى مسيرات للتضامن مع القدس بمناسبة اليوم العالمي للأرض. فنبل القضية ونبل الدعوات الانسانية والحقوقية للتضامن من أجل هذه القضية، لا يجب أن ينسينا الاستغلال البشع لمثل هذه القضايا لأغراض غير نبيلة، فما معنى أن تخرج مسيرات تسمى تضامنية بحجة الحق في الحياة والعيش الكريم للشعب الفلسطيني...ولا تخرج المسيرات ذاتها للمطالبة بالشيء نفسه في بلداننا ؟
لقد وصل بنا الحال، في المغرب، إلى درجة التنافس في التضامن مع الآخرين، " ففي ذلك فليتنافس المتنافسون"، حيث فجّر التضامن مع القدس والشعب الفلسطيني صراعا بين «مجموعة العمل الوطنية لمساندة العراق وفلسطين» و« الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني» و« الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة»، وقد فرض هذا الصراع تنظيم  أكثر من مسيرة وطنية، كانت الأولى يوم 25 مارس من تنظيم «الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة» و مسيرات أخرى يوم 30 مارس  من تنظيم الجهة نفسها، بينما نظمت مسيرات أخرى يوم فاتح أبريل وأشرفت عليها «مجموعة العمل الوطنية لمساندة العراق وفلسطين» و»الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني »... وانهمك الإعلاميون والمحللون في مقارنة عدد وعدة كل طرف في محاولة منهم لفرض أجندة مغايرة للهم المحلي.
هؤلاء  "المجاهدون" و "المناضلون" و "الحقوقيون" ( باستثناء بعض الفعاليات الحقوقية ) لم يخرجوا للتضامن مع شهداء البرد القارص بمرتفعات الأطلس، أو مع ضحايا النصب والاحتيال باسم النجاة، أو مع ضحايا نهب صناديق التقاعد والعقار والسياحة، أو مع المنتحرين من أجل الكرامة، أو العطشى واليتامى و الأرامل والحفاة بين صحاري وجبالات المغرب المنسي، أو مع الأمهات اللائي يلدن في الشوارع أو في الممرات، أو مع أطفال وفتيات تستغلهم مافيات تجارة اللحم البشري، أو ضحايا النصب باسم القروض الصغرى، أو ضحايا الهجرة السرية، أو العمال والعاملات الذين يتم تسريحهم...
 إننا هنا لا نعمم الكلام على الجميع، فلا ننفي أن العديد من الفعاليات المتبنية للقضايا الانسانية بما فيها القضية الفلسطينية منخرطة في الحراك الاجتماعي المحلي وتتبنى أيضا وبشكل كامل القضايا الوطنية والمحلية... فكلامنا هنا يعني بالدرجة الاولى هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا من القضايا الانسانية الخارجية (القضية الفلسطينية مثلا) أفيونا لإلهاء الشعوب عن قضاياها المعيشة.
هؤلاء "المجاهدون" و "المناضلون" و "الحقوقيون" ينسحبون إلى "رهبانيتهم" حين يتعلق الآمر بالقضايا الوطنية، وباسم "الخروج في سبيل الله" ينصرفون عن الترافع من أجل المشاكل والقضايا الحقوقية المحلية إلى الانزواء في "خلوتهم"، ولا نسمع لهم صوتا إلا عندما يتعلق الأمر بطفل هنالك أصابته نعلة الأعداء، ويتناسوا أن سياط الإخوة  أكثر قسوة من سياط الأعداء ...
هؤلاء "المناضلون" و "الحقوقيون" لا يتألمون لبكاء طفل أو امرأة أو رجل مغربي ...ويتألمون ويئنون فقط  لصرخة امرأة شرقية...فقد جلد أهل أسفي ..وكأن على رؤوسهم الطير...واحترقت تازة ...ولم يحركوا ساكنا..وتسحل جبالات الريف ..وقد أسمعت لو ناديت حيا ...وانتفاضة سكان اميضر ووكليم لازالت مستمرة...وانتفاضات أخرى عديدة يصعب حصرها في مقامنا هذا... لكن ردا على كل ذلك قالوا أن "الفتنة نائمة نعل الله موقظها "، وقال اخرون أن "السقف الذي يظلهم ليس هو ذات السقف الذي يظل الشعب".
 فجأة ..وبعد "خلوتهم في سبيل الله" ها هم يخرجون ذات يوم بارد ..في ليلة كذبة سخيفة... والذريعة دماء غزة ! بأي وجه سنعلن تضامننا مع غزة ؟... وغزة وبالرغم من أنها محتلة ومحاصرة وفي حالة حرب...لكنها متقدمة علينا في مؤشرات التعليم... ! نحن أولى بالتضامن. شعب أمي... وشعب حر متعلم، من يجب أن يتضامن مع من ؟
 بمناسبة يوم الأرض تضامن هؤلاء "المناضلون" و "الحقوقيون" مع شعوب تعيش فوق أرض ما كيفما كانت، تضامنون مع الشعوب كلها باستثناء شعبهم الذي يعيشون بين ظهرانيه.
أيها "المناضلون" و "الحقوقيون" غزة تقول لكم :
 كل من لا يتضامن مع شعبه لا يعول عليه.
لا خير يرجى ممن لا ينتصر لشعبه.
لا تناصرون شعبكم فكيف ستناصرون شعوبا أخرى؟
أيها "المناضلون" و "الحقوقيون" متى كان بإمكان عبد مملوك أن يتضامن مع سيد، فذلك الطفل الحامل للشارة والحجارة...سيد نفسه، فما عساكم تقدمون نفعا لأسيادكم ؟  إن أفضل شيء نقدمه لفلسطين وللشعوب المقهورة هو أن نحرر ذواتنا من القهر والظلم والطغيان...فالكرامة والعزة والتحرر ( القضايا المحلية والوطنية ) أولا، وغزة ( القضايا الانسانية ) ثانيا.


المقال منشور في موقع كلامكم 

ليالي الدخلة : البحث عن دم العذرية أم عن انتصارات وهمية ؟

ليالي الدخلة : البحث عن دم العذرية أم عن انتصارات وهمية 


كريم اسكلا 

ان موضوع البكارة أو العذرية موضوع يستفز العديد من الأسئلة المقلقة نظرا لتشابكه مع ظواهر أخرى عديدة كالثقاف،الختان،التناسل، الزواج،الاغراء، اللباس...كلها مرتبطة بنوع التمثلات الاجتماعية نحو الجسد. اذ يرد الجسد في المخيال الجمعي مرتبطا بالمقدس و المدنس في الان ذاتهن و بالرغم من أن الجسد هو محور العديد من المواقف الاجتماعية الا أنه يركن الى الظل و المسكوت عنه.

1. في مفهوم "الجسد" :
«إن الجسد هو المجال حيث يتواجه الاجتماعي والفردي، الطبيعي والثقافي، النفسي والرمزي». إن هذا التشابك يبرز اكثر عند طرح ثنائية الجسد/الروح حيث يحضر الأسطوري، الثقافي، الرمزي ... يقول(مالك شيبل) بأن الجسد هو «الشكل الذي تأخذه الروح لكي تتمظهر وتتجلى، سواء تعلق الأمر بالإنسان أو بالملائكة، أو الجن، أو كان مجرد تمثيل للخيال الإبداعي

تسائل الانتروبولوجيا والسوسيولوجيا ... "الجسد" باعتباره لغة ومساحة للمعتقدات، إنه «جسد للغة والمعتقدات، والأساطير أكثر منه جسدا تشريحيا، مقارب عبر قياسات بيولوجية، إنه جسد حي –un corps vit-»لكن( دافيد لوبروتون) يميز الجسد في المجتمعات الغربية، فهو عكس الجسد في المجتمعات التقليدية، جسد منشق ومنفصل عن الجماعة،وعن الكوسموس، وعن الطبيعة، بل عن الفرد ذاته. نستخلص من كل هذا، تعريفا إجرائيا لما نقصده بالجسد :
الجسد ليس معطى طبيعيا، باعتباره مجموعة من الأعضاء التشريحية، بل هو مكتسب اجتماعي يثم بناءه عبر التفاعل الاجتماعي.
الجسد، جسد للتمثلات، للمعتقدات، للأساطير... يختلف حسب السياقات الانتروبوثقافية.
الجسد، ليس حالة، بل هو سيرورة متحولة ومتغيرة كل لحظة حسب التحولات الاجتماعية داخل المجتمع.

2. الجسد بين المدنس و المقدس : تأملات و تساؤلات.
يشير كل من (مالك شيبل)  و(الرازي نجاة)  إلى نظرة تستحضر الجسد الأنثوي كمدنس. ففي الزمن الذي تعلن فيه المرأة عن تميزها و عن أنثويتها- لحظة الحيض-، تنتابها مشاعر النجاسة والقذارة، نجاسة لا شك وأنها نتاج اجتماعي ترسخ عبر سيرورة تاريخية طويلة.

لكن ما نود الإشارة إليه هو حضور إحساس القذارة والنجاسة أيضا عند الذكر. فخروج المني منه يستوجب طقوسا للتطهير، كما أن بحث الذكر عن الأنثى / البكارة، عن المرأة التي لم يلمسها ذكر قبله، قد يستبطن إحساسا لا واعيا بأن الرجل مصدر تلويث، إنه يبحث عن المرأة التي سيطمثها –يلوثها- هو وحده.

لتبرز على مستوى السلوك الاجتماعي ظاهرة الغسل/النظافة/الطهارة، خصوصا في فضاء الحمام،اذ يعتبر الغسل بعد ممارسة جنسية تطهيرا ضروريا. وكأننا بصدد طقوس التطهير كما في المجتمعات البولونيزية- Polynesien ، كما أشار إليها R.Caillois) ) في دراسة عن الطقوس الجنسية للتطهير عند قبائل الطانكا Thongas.

يراد لثقافة ما أن تركن إلى الهامش الاجتماعي ، أي إلى ذلك المجال المحتضن للمحرم، بالتالي تكون محتضنة لأعمق ركائز السياقات الانتربوثقافية: نتحدث هنا عن ذلك الخطاب المتسرب من أبواب المجتمع الخلفية: النكتة، السب و الشتم Injure ... أي خطاب يتناول الجسد الخاص: خطاب حول قِصر أو عدم انتصاب العضو التناسلي لدى الذكور، ظهور أعراض فيزيولوجية مصاحبة للإفرازات المهبلية لدى الإناث، صغر الخصيتين، صغر أو ضخامة الثديين، شعر أطراف الجسد و كذا حكايات ليلة العرس ...، إنه معيش يومي لابد وأنه سيقربنا من فهم المخيال الاجتماعي. لكن الأكيد أنه يتطلب دراسة متأنية.

فالبحث عن دم العذرية ليلة العرس مثلا لا يبتعد عن لب التصورات التي نحملها عن جسدنا و جسد الأخر،انه مرتبط اذن بمكبوتاتنا عن اللحظات الأولى في مواجهتنا للمجتمع،وبداية تكون مفهوم العيب ،و بلحظات الختان أو اخصاء 'أوديب'...،و كل طقوس المرور خلال معيشنا اليومي.

و إذا كنا نشهد استعمالا مرنا ومتحرر للجسد الكاشف حتى عن أعضاء الجسد المحملة بالمحرم Tabou بالتالي محملة بالأساطير، أو ما يسميه (مالك شبل) "تابو العورة نشير مثلا إلى البطن، الثديين، الأرداف، السرة... بالنسبة للإناث، وشعر الصدر، العضلات المفتولة... بالنسبة للذكور. فإن هناك اتجاها أيضا نحو "إخفاء" هذا "الجسد" بكامله خصوصا الجسد الأنثوي، وذلك بجملة من التصورات التي تزيحه نحو المسكوت عنه انطلاقا من تفكير أخلاقي قيمي. لكن واقع الممارسة اليومية يزودنا بالتباس يتعلق بالفهم الذي يعطيه الأفراد لممارساتهم،ففي بعض الأحيان قد يصبح الحجاب مصدر اغراء و اثارة.

يمكن أن نلحظ أيضا أن المجتمع لا يسعى إلى إخفاء الجسد الذكوري في حين أنه قد يكون هو أيضا موضوع استيهامات سواء من قبل النساء أو الذكور. هل الحجاب إذن حجب أم كشف؟ لكن ألا يعتبر ذلك دليلا على أن حتى النص الديني يفسر انطلاقا من وجهة نظر مجتمع الذكور؟ وهذا ما قد يكون دفع ( Germaine Tillon ) إلى القول بأن الدين الإسلامي ليس بالضرورة هو المتحكم في فرض الحجاب على النساء بالمقارنة مع ظاهرة الغيرة الذكورية التي تميز هذه المجتمعات,

يرى ( بيير بورديو) أن التقسيم الاجتماعي/ الجنسي المنحاز إلى الذكر يمكن اعتباره شبه عام في جميع المجتمعات، بالرغم من أنه نتاج اجتماعي لسيرورة تاريخية ، إن الذكر هنا كائن ذو شرف وعزة، باستحضار عدم افتراق امتيازات الشرف عن السلطة داخل المجتمع. إن ذلك التقسيم نجد له تعبيرا في الطقوس وفي البنية المجالية لدور السكن، إذ هناك تميز بن المنزل والعالم الخارجي (الحقول)... إن ذلك يفسر ويرتبط بالتمثلات الرمزية حول الجسد، وبعلاقات الهيمنة بين الجنسين، أي بين مهيمن ومهيمن عليه.

إضافة إلى انه قد نجد "ألما" لدى الذكور يتحدد بشكل من " الاخصاء " و"الثقاف"... وتحريم السلوك الجنسي إلى لحظة "حاسمة" يجب أن يظهر فيها عن جدارته بتحمل المسؤولية، وبشهادة المروءة والرجولة. لا يحصل الذكر على شهادة الشرف رغم سلوكياته الجنسية إلا إذا توضحت ليلة افتضاض بكارة عروسه.لا يصبح الرجل رجلا الا اذا قام ب" الواجب " ليلة الدخلة، وحتى و لو مارس الجنس سابقا يراد لهذا السلوك الذي أريد له أن يكون محراما و مخفيا من قبل، أن يكون طقسا علنيا في هذه اللحظة و في هذا المكان.


 لقد افرز العصر الحديث ،عصر العولمة، حالات من الانخطاف الرمزي و التماهيات المتعددة إذ أن المجتمع الاستهلاكي الحالي استنهض كل ترسانته الإعلامية المعلوماتية ، ليستحيل العالم إلى فضاء للاحتفالات و الكرنفالات الطقوسية،إلى "جدبة" لجسد متماهي مع آلهة الميتافيزيقا و الأساطير الحديثة، أو ميتاقيزيقا الصور و العلامات الفيتيشية .أي أيقونات الممثلين و المغنيين و عارضي و عارضات الأزياء،نجوم الرياضة و الاشهار،من أقصى الغرب الى أقصى الشرق،من هوليود الى بوليود الى السينما المكسيكية و التركية ...
ان العريسين الحالمين بشهر عسل على طريقة الأفلام و المسلسلات قد يصطدمان بمجموعة من العادات و الطقوس و المعتقدات التي تخل لاتوانزنا وجدانيا لديهما،قد تنتج عنه جروح نرجسية عميقة تتسبب في فشل العلاقة فيما بعد.



المقال منشور بتصرف

تعديل الدستور .. و ماذا بعد ؟


التفكير المتجدد في الأجندة الحقيقية للتغيير

- تعديل الدستور .. و ماذا بعد ؟ -

كريم اسكلا

k.isskela@gmail.com

http://isskela.blogspot.com


 بعد الإعلان عن استقلال المغرب سجل  نوع من " انسحاب " المجتمع إلى الاهتمام باليومي والاجتماعي على حساب السياسي، فهل سيؤدي الاستبشار بالإصلاح الدستوري إلى ارتكاس الحس الاحتجاجي والسياسي كما حدث بعيد إعلان جلاء الاستعمار ؟ ماذا بعد تعديل الدستور ؟ ما هو مصير جدول أعمال التغيير؟ هل سيعقب الإصلاح الدستوري إصلاحات سياسية وثقافية و اقتصادية؟ ... ( و بالعامية المغربية:  تعديل دستور أومنبعد ؟ - – et alors ) إنها جملة من التساؤلات المشروعة المطروحة بشدة في ظل حراك سياسي  واجتماعي متسارع، سنحاول في هذا المقام بسط بعض جوانبها على طاولة الحوار العمومي.

عادة ما كان البعض يلخص مجمل المشاكل التي يعانيها المغرب في " انسحاب " المجتمع من المشاركة في الشأن العام، على أساس أنه بالرغم من أن الجميع أصبح واعيا بعمق المشاكل البنيوية لمغرب ما بعد الاستقلال إلا أنه  لوحظ "انسحاب" للشعب إلى همومه اليومية فرحا بإعلان الاستقلال، و ترك تدبير السلطة لقلة من النخب تصارعت لبسط هيمنتها على مقدرات البلد في غفلة من المجتمع المدني. و هذا فيه شيء من الصحة، فبالرجوع إلى فترة الاستعمار كان جميع المواطنين منخرطين في الهم السياسي إلى النخاع ... كان هناك مجتمع مدني فاعل بكل المستويات بالتالي كانت المحاسبة و المراقبة سارية على الجميع، بما أن حب الوطن و الإيمان بالقضية هو الذي كان يحرك الغالبية. لكن أقلية من الانتهازيين  استغلوا التراخي الشعبي الذي تلا جلاء الاستعمار المباشر لإحكام القبضة على دواليب الدولة ليسيروها وفق أهدافهم ومصالحهم. كما شأن فريق لعبة انشغل بالفرح بانتصار غير مكتمل قبل نهاية المباراة ... لكنه في آخر المطاف هزم.
إذا كانت " ثورة الملك و الشعب" نجحت في إبعاد المستعمر، فان الفرحة الزائدة الناتجة عن ذلك حجبت العديد من الأشياء منها المفاوضات السرية التي كانت بين " الحركة السياسية " و القصر و سلطات الاستعمار  و التي نجهل عنها العديد من التفاصيل، إذ تركت مجموعة من القضايا عالقة كمسألة الحدود و مصير العديد من المناضلين، والتعويض عن الفترة الاستعمارية وجرائم الحرب التي ارتكبت خلال فترة الاستعمار، إضافة إلى أنباء عن أن صفقة  قد تكون تمت بين المستعمر و " الحركة السياسية " ، بحيث يمنح المغرب استقلالا شكليا مقابل أن تعمل الطبقة الحاكمة على منع وصول  أصحاب الفكر الثوري الشيوعي اليساري أو الفكر الديني الراديكالي إلى الحكم بأي شكل من الأشكال سواء في  الريف أو في الجنوب ... و التاريخ يبرز أن ما يسمى الآن " بالخيار الانفصالي" كان نتيجة القمع الذي طال هذه المناطق بعد الاستقلال، إضافة إلى أن " الانسحاب "  الشعبي من الشأن العام ترك المجال للبعض للانقلاب على أهداف تلك الثورة، ليرجعوا الاستعمار من النوافذ ويغرقوا البلاد في مخططات تكرس التبعية الاقتصادية والثقافية و السياسية للمستعمر.

إن من حسنات الحراك الاحتجاجي الذي أنتجته حركة 20 فبراير أنها أعادت المواطن المغربي إلى الحقل السياسي، ليصبح  مشاركا و متفاعلا و مبادرا لكن من داخل الشارع العام، خروج الشعب المغربي إلى الشارع العام يثبت أنه لم يكن عازفا عن السياسة و سلبيا إنما يثبت فشل البنيات القائمة في الرقي إلى مستوى انتظاراته، فالفعاليات النشيطة في هذا الحراك بخروجها إلى الشارع تعلن عمليا عن فشل و عدم صلاحية العمل من داخل المؤسسات والبنيات القائمة، و تطرح بديلا آخر هو التغيير من الخارج. حيث يؤكدون أن  كل من حاول التغيير من داخل المؤسسات تم احتواءه و تدجينه، إذ  أن  قوة تمسك المؤسسات بالاستقرار أكبر من رغبة البعض في التغيير. فالراغب في الإصلاح هو من يتغير في الأخير و ليس البنيات.

إن الإشكال الذي يجب أن يحله الفكر السياسي المغربي المعاصر هو كيف يمكن لمؤسسات أنشئت بشكل تقليدي لتحافظ على الاستقرار أن تصبح مؤسسات حداثية تقود إلى التغيير ؟ فجل المؤسسات التي بنيت في  ما بعد الاستعمار ، بما فيها  بعض الأحزاب و و الجمعيات،  هي مؤسسات تقليدانية محافظة في جوهرها بالرغم من أنها تظهر على أنها حداثية و مدنية. فإذا كان من الطبيعي جدا أن تكون هناك قوى تعمل جاهدة على الحفاظ على الأوضاع ثابتة ومستقرة لان أي تغيير قد يهدد امتيازاتها و مصالحها، فكيف يمكن لمؤسسات الدولة مثلا أن تتضمن آليات و ميكانيزمات  تتسع للتغيير؟ بصيغة أخرى هل يمكن لنفس البنيات و النخب التي أنتجت  الوضع الحالي - الإفلاس المستديم - أن تنتج وضعا أفضل ؟ هل يمكن لمن صنع الإهانة أن يصنع الكرامة ؟

لقد أظهر خطاب العاهل المغربي يوم 9 مارس نية للدولة في التغيير، إذ طرحت مقاربة التعديل الدستوري كحلقة في السيرورة التي يعيشها المجتمع المغربي، و قد أريد لهذه الخطوة  أن تحدث خلخلة في أجندة الحراك الاحتجاجي الشبابي،  و ذلك عبر مستويين : مستوى يظهر فيه التعديل الدستوري كهبة و منة من السلطة لا كحق انتزع،  و مستوى ثاني  يتم من خلاله نزع أي مبرر لاحتجاج، كأننا بصدد حالة طوارئ غير معلنة، بحيث سيتساءل البعض لماذا سيخرج الشعب للشارع مع أن الدولة قدمت له أكثر مما طلب ؟ لكن المفاجئ أن الاحتجاج استمر أيضا بعد الخطاب و هذا ما أحرج الأجهزة الأمنية مما دفعها إلى التصدي له بالقوة.  

على مستوى " منة الدستور"، سواء من حيث الشكل و من حيث السياقت التي قيل أنه تمخض عنها  و من حيث طريقة تكوين اللجنة المكلفة بإعداده و بالتشاور حوله ...  كل ذلك يكرس صورة المؤسسة الملكية كفاعل أوحد و وحيد . متقدم على الجميع بما فيهم الحكومة و الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ... كما ينزاح بالنقاشات الجوهرية حول الفساد و الكرامة و العدالة الاجتماعية إلى النقاش الدستوري، كأن مشاكل المغرب هي  مع الدستور، في حين أن التاريخ أثبت أن الدستور غير المكتوب هو الذي كان معمولا به أصلا، كما أن فاعلين في الظل هم المحرك الأساس للدولة. كما أن الدستور الحالي فيه من الايجابيات الشيء الكثير. ففي الدستور الحالي هناك اختصاصات للحكومة و للبرلمان لكنها لم تفعل. لم يكن مطلب تعديل الدستور مركزيا في مطالب حركة 20 فبراير على الإطلاق، إذ أن الجوهري بالنسبة لها هو منطق الممارسة الفعلية، أي مطلب ممارسة السلطة السياسية عبر مؤسسات  شفافة و ديموقراطية  في إطار دولة مدنية  تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية لا عبر المراسيم و الظهائر ، و ما يتطلب ذلك من إلغاء العمل بالثنائية القطبية ( ولاة و عمال معينون يمارسون الوصاية على مجالس منتخبة ). و فصل واضح للسلط يقترن فيها  تحمل المسؤولية بالمحاسبة والرقابة. وينفصل فيها أيضا الجمع بين السلطة و المال، و ما يتطلبه ذلك من تفكيك منظومة المخزنقراطية. واقتصاديا معاملات تحكمها العدالة الاجتماعية و ما يتطلب ذلك من تفكيك اقتصاديات الريع و الكريمات والهبات...
   
أما على مستوى المقاربة الأمنية، فقد لوحظ أن هناك جيوبا عديدة للمقاومة تقاوم حتى سقف الإصلاح المعلن عنه، و تستكثره على الشعب بحجة الإرهاب أو اليسار الجدري أو الطوفان الياسيني أو التطرف الأمازيغي ... أو البوليزاريو أو الجزائر ... أو تدهور الاقتصاد و السياحة.  فالمنطق  الانتروبولوجي للهبة يستوجب أن يظل من منحت له الهبة مدينا للواهب، و لا يفترض منه أن يطالب أكثر من ذلك.

نفهم إذن أن النظام المغربي اتجه إلى محاولة التحكم في سقف الخيار الثوري، عملا بمبدأ أنه إن كان لابد من ثورة فلنعمل على ألا تكون ثورة جذرية. لكن الخوف كل الخوف هو أن يقع الانقلاب حتى على هذا المستوى من الإصلاح بعد الاستفتاء على الدستور، و ذلك باستغلال إلهاء الشعب بمكسب  التعديل الدستوري. لذا يجب الانتباه إلى عدم السقوط في الفخ الذي وقعنا فيه بعد جلاء الاستعمار، أن نفرح بمكسب منقوص و ننسى استكمال التحرر.  لذا لا يجب أن ينسينا التعديل الدستوري استكمال أجندة التغيير. و إذا كانت الثورة يصنعها مغامر ويرثها انتهازي، فلا يجب أن يصنع الشعب إصلاحا و يلتف حوله مفسدون يحرمونه حتى من ذلك الإصلاح.

على الحراك الاحتجاجي أن يتنبه بشكل مستمر إلى الأجندة الحقيقية للتغيير، هذه الأجندة التي يجب أن تحدد أولوياتها جماهيريا و بطريقة تشاركية لا أن تفرض من طرف جهة معينة، على هذا المستوى من الضروري أن يتم حسم النقاش حول جملة من القضايا مثل سلمية الاحتجاج و إلغاء الرايات الحزبية والإيديولوجية و القومية و اللغوية و الدينية ... و الالتزام بالخيار الديمقراطي المدني.
كريم اسكلا

28/05/2011.

المغرب في مفترق طرق : الكرامة أو البترودولار



المغرب في مفترق طرق : الكرامة أو البترودولار
كريم اسكلا
لحظة بلحظة تتسارع أمامنا العديد من الأحداث التي تزكي فكرة أن العالم بصدد المرور بلحظة تاريخية فارقة، فزمن ما بعد الثورة التونسية لن يكون كزمن ما قبلها بالمطلق، سواء سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا، و آخر هذه الأحداث و في خطوة مفاجئة أعلن مجلس التعاون الخليجي عن البدء في دراسة انضمام كل من الأردن والمغرب إلى التحالف الخليجي.
إذا كان بالإمكان تفهم الطلب الأردني في هذا الصدد، فبالنسبة للمغرب فقد أعرب العديد من المتتبعين عن توجسهم من هذه الخطوة ليس فقط بالنظر إلى البعد الجغرافي، و إنما أيضا بالنظر إلى الاختلافات السياسية بين أنظمة الحكم في الخليج و النظام السياسي المغربي على الأقل من الناحية الشكلية و المؤسساتية. فالمغرب على علاته يبقى متقدما من الناحية الحقوقية والمؤسساتية، خاصة في فسح المجال لبعض الفرقاء السياسيين لدخول اللعبة السياسية  في حين أن جل الدول الخليجية دول أوتقراطية.  إضافة إلى الاختلافات على المستوى الثقافي بين مجتمعات خليجية جد محافظة على الأقل حسب ما هو معلن، و مجتمع مغربي يؤمن بقدسية الاختلاف وسمو المواثيق الدولية. و على المستوى السسوسيواقتصادي بين مجتمعات تعيش على البترول، ومجتمع أغلبيته كادحة تقاوم بالسواعد لتوفير الحد الأدنى لشروط العيش.
لكن في المقابل هناك من يرى أن انضمام المغرب إلى مجلس دول التعاون سيمكن تلك الدول من الاستفادة من تجربته في تدبير الاختلافات و الصراعات السياسية، و كذا الحكامة الأمنية في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية و الإرهاب، باعتبار أن شمس الخليج ربما ستشرق من المغرب. لكن للمرء أن يخشى من أن تطفئ براميل البترول الخليجي فتيل شمعة التغيير المغربي.
نتساءل في سياق الحراك الدولي الحالي و في سياق الحراك المغربي الداخلي، ماذا سيستفيد المغرب بانضمامه إلى نادي الملكيات ؟ و ماذا ستستفيد دول الخليج من انضمام المغرب إليها خاصة في هذا الوقت بالذات ؟ لمن ستكون الغلبة هل للمقاربة الأمنية كما نهجتها دول الخليج في تعاملها مع الحالة البحرينية أم لمقاربة المنح و العطايا كما فعل النظام السعودي بمنح جملة من الهبات للمواطنين أم للمقاربة المغربية القائمة على فتح هامش للتشارك في السلطة ؟
ما نعرفه عن العلاقة بين المغرب و دول الخليج هو مجموعة من فضائح أمراء البترودولار الذين يجدون بالمغرب فسحة لتفريغ مكبوتاتهم الجنسية ... والمفاخرة بتبدير الأموال في المراقص و الكازينوهات ... بعيدا عن رقابة لجان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الموجود في بلادهم.
ما نعرفه أيضا، هو نظرة الخليجين التحقيرية 'البعض على الأقل' للعمال  المغاربيين بصفة خاصة. و المعاملة السيئة للخادمات، و كذا شبكات اصطياد الفتيات و تجارة الرقيق الأبيض ...
ما نعرف أيضا، هو الحملات الإعلامية لنشر الفكر الوهابي لضرب الفكر الصوفي ومضايقة الفكر التقدمي...
ما نعرفه أيضا أن تلك الدول العائمة على بحار البترول لم تكلف نفسها عناء التفكير في امتصاص بطالة شباب شمال إفريقيا و فضلت العمالة الأسيوية، و لم تكلف نفسها عناء التفكير في محاولة سد حاجيات الدول المغاربية غير النفطية من الطاقة في إطار التكامل و التضامن الاقتصادي ...
للفرد أن يتوجس من هذه المبادرة ذات الخلفية السياسية أكثر منها اقتصادية، فقد تكون هذه الخطوة مجرد محاولة لكبح  الخط التصاعدي لمسار الإصلاحات المعلن عنها في المغرب، لتفادي نجاحها بالتالي انتقال عدواها إلى دول ملكية أخرى. فنجاح تجربة المغرب في الانتقال السلمي من ملكية مطلقة إلى ملكية برلمانية... سيشكل محفزا للشعوب الخليجية للمطالبة بتعديلات سياسية مماثلة.
بعد تصاعد صوت حركة 20 فبراير و مطالب التغيير بالمغرب و بعد خطاب 9 مارس، بادرت مجموعة من الدول و الهيئات إلى مدح تجاوب السلطة مع المطالب الاجتماعية للشعب. و من هذه المؤسسات نجد البنك الدولي و زيارة مديره العام للمغرب، و كذا المبادرة الأخيرة لدول الخليج، لنتساءل ألن يؤدي مجلس التعاون الخليجي و البنك الدولي الآن نفس ذلك الدور الذي قامت به الحماية الفرنسية حين تدخلت فرنسا في المغرب لحماية النظام السياسي وحماية مصالحها ؟ فالحل الذي تقدمه هاتين الجهتين لا يمكن أن يكون سوى إغراق المغرب بالديون واقتصاد الريع المبني على البترودولار لإسكات حناجر الكادحين و الفقراء.
لا نعتقد أن هؤلاء الذين يخرجون للاحتجاج للمطالبة بإسقاط  رموز الفساد والاستبداد، سيقبلون ببرميل بترول خليجي مقابل مصادرة حريتهم و كرامتهم. كما لا أعتقد أن المغاربة الذين يناضلون منذ زمن من أجل دولة مدنية حداثية سيقبلون بالارتماء تحت وصاية فكر ديني محنط مقابل نعيم اقتصادي موعود.
الواضح أن بعض الأنظمة لم تفهم بعد أن مطالب الشعوب الثائرة في تونس و مصر مثلا أو تلك التي تخرج في دول أخرى الآن ليس الزيادة في الأجور أو بعض المنح و الهبات ... بل مطلبها الأساس هو الحرية و الكرامة... و حين تطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية  فليس عن طريق ديون البنك الدولي أو براميل بترول دول الخليج وإنما عن طريق إعادة التوزيع العادل للثروات.
كريم اسكلا


جديد: مقالاتي في كتاب الكتروني للتصفح - اضغط وسط الاطار -

الهوامش المنسية في كتاب ورقي

الهوامش المنسية في كتاب ورقي

 
-